الأزهر يستنكر توظيف الجماعات المتطرفة حادث الهجرة النبوية لتصدير مفاهيم مغلوطة

استنكر مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، استغلال الجماعات المتطرفة لحادث الهجرة لتصدير مفاهيم مغلوطة، مشيرا إلى السعى لخدمة مصالحهم ودعاياتهم.

قال مرصد الأزهر، فى بيان له، إن منظرو الفكر المتطرف حاولوا توظيف الهجرة النبوية لمصالحهم المنحرفة، وخدمة أيديولوجياتهم، وهو ما دعا إليه البغدادي في حديثه بمدينة الموصل سنة 2014، حيث حاول استغلال مفهوم الهجرة لخدمة دولته المزعومة، مدعيا أن العالم كله أصبح “دار كفر” إلا ديارهم، مؤكداً أن ادعاءهم باطل لا مسوغ له، وقد أبطل دعواهم علماء الأمة حديثًا وقديمًا:

ذكر المرصد، وصية د. أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء، التي وجهها للشباب :  “إن الهجرة ليست أن يهاجر الإنسان من وطنه، وليس معناها أن يفارق أهله ويخاصمهم، وإنما الهجرة المقصودة في الإسلام، كانت بسبب ما قام به الكفار من عداوة الإسلام والمسلمين، والتربص بالضعفاء، وقد كانت الهجرة بتوجيه من الله تعالى، وقد أطلع الله عز وجل رسوله على دار الهجرة، -فهل أطلع الله “داعش” على أن دولتهم المزعومة هي دار الهجرة- وكان ذلك من أجل إرساء دعائم الدولة الجديدة، ومن أجل انتشار الإسلام في البيئة الصالحة، لكن المتاجرة بالمفاهيم والمصطلحات لتجنيد الشباب، أمر يتطلب المواجهة من خلال بيان الحقائق وتصحيح المفاهيم، لحماية الشباب من هذه الجماعات المتطرفة، وأن نوضح للشباب أن الهجرة كانت للخروج إلى بيئة صالحة، لأن الذين كانوا موجودين كانوا كفارا ظاهرين، يؤذون المسلمين ويتربصون بهم”.

لفت المرصد أنه قديمًا في التراث الإسلامي بيَّن علماء المذاهب معنى الهجرة وضوابطها: قال السرخسي من الحنفية أثناء حديثه عن الآيات والأحاديث التي تحدثت عن الهجرة “أما قبل فتح مكة فكان يفترض على كل مسلم في قبيلته أن يهاجر إلى المدينة ليتعلم أحكام الدين وينضم إلى المؤمنين في القيام بنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا} [الأنفال: 72] الآية، ثم انتسخ ذلك بعد الفتح بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح، وإنما هو جهاد ونية»”، وقال – صلى الله عليه وسلم -: «المهاجر من هجر السوء وهجر ما نهى الله تعالى عنه»، بينما قال المالكية عمن أسلم في بلاد غير المسلمين: إن إسلامهم صحيح؛ إن لم يهاجروا، لأن الهجرة إنما كانت من شرط صحة الإسلام قبل فتح مكة لقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: «لا هجرة بعد الفتح»، وكان في أول الإسلام لا يتم إسلام من أسلم حتى يرتحل إلى المدينة، فلما فتح مكة قال: «لا هجرة بعد الفتح»، أما الشافعية لما تحدثوا عن شروط خروج المسلم من بلده إلى بلد آخر فقالوا: لا يخرج المسلم من بلده ما دام باستطاعته عبادة الله سبحانه وتعالى في مسكنه. فهذا ينفي ما ادعاه المتطرفون. فالعالم كله الآن يكفل حرية الاعتقاد للجميع، وأي إنسان يستطيع إقامة شعائر دينه بحرية تامة دون تعرض ما دام لا يعتدي على ممتلكات خاصة أو عامة وهذا ما نص عليه القرآن، قال تعالى: {ولا تعتدوا}.

الجناية على الآيات القرآنية:

أشار مرصد مكافحة التطرف، إلى أن تنظيم “داعش” الإرهابي يوجب الخروج من كل البلدان إليهم، وهذا عين ما أسس له أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم “داعش”  في إحدى تسجيلاته قائلًا: “إن الهجرة أصبحت فرض عين على كل مسلم” مستدلًا على هذا  بقوله تعالى: “وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّـهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّـهِ، وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورًا رَّحِيمًا” وكذلك بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار”.

فند المرصد، ادعاءات تنظيم “داعش الإرهابي”، مؤكداً أنها تدل على تخبطه وفهمه الخاطئ، إذ يستشهد بالشيء في غير محله ويسقط النصوص الشرعية على وقائع لا تمت بصلة إلى الأسباب الحقيقة التي نزلت من أجلها تلك النصوص. فقوله تعالى: “ومن يهاجر في سبيل الله…” فقد ورد  في سبب نزول هذه الآية أن الله تعالى لما أمر المسلمين بالهجرة إلى المدينة المنورة ظل بعض المسلمين في مكة ولم يهاجر، فكثَّر سواد المشركين، فأمرهم الله تعالى بالهجرة مثل إخوانهم، فخرج أحدهم مهاجرًا لكنه مات قبل أن يصل إلى المدينة فأنزل الله تلك الآية، أما بالنسبة للحديث فقد اقتطعوه من سياقه وتجاهلوا معناه وشروحه لدى العلماء المتخصصين، فقد ذكر شرف الدين المُناوي شرطًا مهما للهجرة من أرض إلى أرض فقال: “إنما تكون الهجرة من دار الحرب” أي أن الهجرة تكون ممكنة عند قيام الحرب على المسلمين في أي بلد. بينما بيَّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الهجرة قد مضت وأبواب الخير لا تقف عندها، فقال لمن جاء يبايعه على الهجرة: “إن الهجرة قد مضت لأهلها، ولكن على الإسلام والجهاد والخير”.

الجناية على مكان الهجرة النبوية صلى الله عليه وسلم:

أشار المرصد، إلى أن المتطرفين لم يقفوا عند حد من الحدود في جناياتهم على كل ما يتعلق بالهجرة ومن ذلك تنزيل مدينتهم منزلة مدينة رسول الله فكتبوا سلسلة من المقالات التي كانوا يحاولون فيها عبثا إثبات ذلك الزعم الخاطئ والمغلوط، لقد اعتبر تنظيم “داعش” الإرهابي مدينته  بمنزلة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم! ولا ندري أنسي التنظيم الأحاديث التي فضَّلت المدينة على غيرها، أم أن لديه محدثين يحدثونهم بأحاديث جديدة، فينزلوا أماكنهم المليئة بالدماء وهتك الأعراض، بمنزلة مدينة طاهرة مطهرة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

أكد المرصد أن المتطرفين لم يتركوا أمرًا إسلاميًّا إلا وجنوا عليه، بل وحاولوا جذبه لخدمة أغراضهم. ويؤكد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أنه لا ينبغي أبدا ألا ينخدع البعض بهذه الكلمات الرنانة التي يستقطب بها التنظيم أتباعه، ولا يجعلوا أنفسهم لعبة في يد هؤلاء المتطرفين، وللأسف فإن بعض الشباب قد انخرطوا مع ذلك التنظيم في واقع لا يستطيع التراجع منه خطوة للخلف.

نوه المرصد أن المتطرفين يستغلون أبواب السيرة النبوية لصالح أفكارهم الخبيثة، فيجنون على أحداثها ويقتطعون سياقاتها موهمين القارئ أن ما يفعلونه هو عين السيرة، والحقيقة كما بينّا خلاف دعواهم، فسيرة النبي العطرة بريئة مما ينسبونه إليها من أمور، فإن أحداث السيرة تحث على معاني التسامح والترابط المجتمعي، وتهدف إلى طرق أبواب الأخوة الإنسانية.

زر الذهاب إلى الأعلى