“خريجي الأزهر بالإسماعيلية”: الإسلام اهتم بعمارة الأرض وبدأ بإعمار الإنسان
كتبت- زينب عمار:
عقد فرع المنظمة العالمية لخريجي الأزهر بالإسماعيلية، ندوة تحت عنوان “عمارة الأرض في الإسلام”، وذلك بالتعاون مع مديرية التربية والتعليم بالإسماعيلية، في إطار الدور الذي تقوم به المنظمة وفروعها بالداخل، لمجابهة الفكر المتطرف، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، ونشر الفكر الوسطي المعتدل.
أكد أ.عبد العزيز عبد الحميد إمام، الباحث بمقارنة الأديان وعضو فرع المنظمة أن الإسلام قد عنى بعمارة الأرض ورعاية الكون عناية خاصة وأولاها اهتماما مشهودا، فالله تعالى خلق الكون وهيأ فيه الظروف المثلى للحياة السعيدة المستقرة، ثم استخلف فيه الإنسان ليقوم بإعماره على الوجه الأكمل الذي يحقق به مرضاة ربه خدمة الكون من حوله؛ فقال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } [هود: 61]، وعندما عرض القرآن قصة بدء الخليقة والنشأة الأولى أشار – في سياق ذلك – إلى أن أكبر مهدد لاستمرار الحياة الطبيعية يأتي من سفك الدماء والإفساد في الأرض؛ لقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة: 30]، والإفساد ضد الإعمار وهو أكبر خطر يهدد الحياة، لذلك حذر المولى تعالى من الإفساد في الأرض؛ فقال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64]، وقال: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة: 60]، وجرم إراقة الدماء بغير حق، وحرم الاعتداء على الممتلكات الخاصة أو على مالكيها، بل ووضع الإسلام أشد عقوبة ضد المفسدين في الأرض، بدليل قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [المائدة: 33].
أوضح أن تشريعات الإسلام مليئة بالتقعيد والتنظير لإعمار الكون بأفضل منهج متوازن يحقق الاستقرار النفسي والروحي للكون وساكنيه، فقد حث الإسلام على بذل الجهد واستفراغ الوسع في إعمار الأرض، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن قامت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة (نخلة صغيرة) فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها”، كما حث الإسلام على الزراعة وتشجير الأرض منعا للتلوّث؛ ونشراً للخضرة والخير ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة”.. مضيفا أن الإسلام حارب السلبية في كل مظاهرها، فبدَّع الترهب والاعتزال والانسحاب من الحياة العامة، وضاعف الأجر بالعمل، وحث على الضرب في الأرض والمشي في مناكبها، وحذر من الطرق المؤدية إلى تبديد الحضارات وتلاشي عمرانها وهلاك الأمم، كذلك لا يجوز استخدام الأسلحة الكيمائية والجرثومية والنووية لما تحدثه من دمار شامل على مساحات واسعة تطال آثاره كل إنسان دون تمييز بين مقاتل وغير مقاتل، وتهلك الحيوان، والنبات، وأضرارها تبقى أجيالا عديدة، ولأنها تهلك الحرث والنسل وتفسد في الأرض.
أشار إلى أن المتأمل في فقه العمارة في الإسلام، يجده فقها راقيا يتناول الإعمار من أبعاده كلها وعلى كل المستويات؛ فقد بدأ بإعمار أهم كائن في الكون وهو الإنسان، حيث اهتم بإعمار نفس الإنسان أولا، وتزكية إيمانه قبل كل شيء وتعزيز روح التضحية والجهاد في النفس الإنسانية حتى تسمو إلى عوالم الإيثار، وقد أخبر الله تعالى أن هذا الإعمار لا يعدله حتى إعمار أفضل بيت من بيوت الله في الأرض؛ فقال تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ} [التوبة: 19]؛ فالإعمار المعنوي للنفوس هو الأساس الذي ينبني عليه إعمار الأرض ولا يمكن أن نؤسس لحضارة إنسانية إلا بإعمار وتزكية الجانب الخلقي والإنساني فيها، لقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم: 9].