رسالة دكتوراه بجامعة الأزهر: الاستخدام السليم للعربية يرقق الطباع ويهذبها ويرقيها ويبعدها عن الانحراف والتطرف



ـ آيات الحقوق في القرآن الكريم ترسخ البنية المجتمعية والتراحم والتلاحم بين سائر المواطنين
ـ حكمة القائد وقوته كفيلان بتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار والرفاهية
ـ التوازن بين الحقوق والواجبات في المنهج القرآني نموذج مثالي واجب الاحتذاء في الحياة والإدارة والعلاقات الدولية
ـ العربية الجميلة مصدر من مصادر إشاعة الذوق والجمال والجلال في هذه الحياة
ـ ثراء العربية وتنوع مفرداتها وأساليبها ودلالاتها يدعم التنوع والتعددية في المجتمع


عرض وتقديم ـ الدكتور أحمد على سليمان ـ عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلاميَّة

نوقشت رسالة دكتوراه بقسم البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية بإيتاى البارود جامعة الأزهر، حملت عنوان: (آيات الحقوق في القرآن الكريم دراسة بلاغيَّة)، قدَّمها الباحث طاهر عبد المنعم على أبو يوسف؛ للحصول على درجة العالمية (الدكتوراه) في اللغة العربيَّة في البلاغة والنقد، يوم الأحد الموافق 16صفر 1442هـ 4 أكتوبر 2020م، وقد حصل الباحث على درجة العالميَّة الدكتوراه بتقدير مرتبة الشرف الأولى.
تكوَّنت لجنة المناقشة والحكم على الرسالة من السَّادة الأساتذة: أ.د/ رفعت إسماعيل السودانى أستاذ البلاغة والنقد المتفرغ بكلية اللغة العربية بإيتاى البارود، وعضو اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين (مشرفًا)، وأ.د/ رضا السعيد فايد أستاذ البلاغة والنقد المساعد بكلية اللغة العربية بإيتاى البارود (مشرفًا مشاركًا)، أ.د/ سلامة جمعة داود أستاذ البلاغة والنقد وعميد كلية اللغة العربية بإيتاى البارود (مناقشًا داخليًّا)، أ.د/ فريد محمد النكلاوي أستاذ البلاغة والنقد المتفرغ بكلية اللغة العربية بالقاهرة، وأمين اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين (مناقشًا خارجيًّا).


اللغة العربية شرف الأمة، ومصدر عزها وعزتها ومجدها وفخرها… نالت أسمى المكارم، وأثمن المنح، فقد منحها الله تعالى مقومات الانتشار والخلود والبقاء، لتكون سيدة اللغات في هذه الحياة.. فهي شريفة مشرَّفة بنحوها، وصرفها، وبلاغتها، وأدبها، ونقدها، وخطوطها، وسائر علومها. وهي مصدر من مصادر إشاعة الذوق والجمال والجلال في هذه الحياة.. ويا لها من مكرمة جليلة!!.
ولاريب أن الاستخدام السليم للغة العربية (قراءة، كتابة، تعبيرا، تدبرا، تذوقا،….)، يرقق الطباع ويهذبها ويرقيها يقول الإمام الشافعي (رضي الله عنه): “مَن تعلم القرآنَ عظمت قيمته، ومَن تكلم في الفقه نما قدره، ومَن كتب في الحديث قويت حجته، ومَن نظر في اللغة رق طبعه، ومَن نظر في الحساب جزل رأيه، ومَن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه” (الحاوي الكبير، من ترجمة المصنف للإمام الشافعي) كما أن العيش معها وفيها وبها، يسهم في بناء مجتمع فاضل مترابط، ذلك أن من فرائد العربية أن كلماتها لا تعيش فرادى منعزلات، بل هي مجتمعات مشتركات كما يعيش العرب في أُسَر وعائلات وقبائل، وللكلمة في العربية حس وروح، جمال وجلال، ظاهر وباطن، ولها أيضا نسب وصهر، ولها تنوع وتعددية، فما أحوجنا إلى أن نتعلم الترابط والمحبة والوئام من لغتنا التي كرَّمها الله وشرَّفها غاية التشريف.
والناظر المتأمل في بلاغة القرآن الكريم كلام الله الخالد، يلحظ تنوَّع موضوعاته، ما بين العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق، وشموليتها لتشمل منهاجا شاملا لإدارة الكون والحياة..
وقد عُني القرآن الكريم عناية كبيرة بالحقوق والتَّأكيد عليها وتحريم مخالفتها، لتعلُّقها بالعقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق التي هى لبُّ الدين وجوهره؛ فالعبادات في الإسلام ليست شعائر تؤدى فقط؛ بل هى موجِّهات للإنسان إلى الصلاح والإصلاح والسَّعادة والإسعاد، ومن ثمَّ تحقِّق صلاح الفرد والمجتمع، إذ ليس من المقبول أو المعقول أن يخرج المصلِّي من مصلَّاه ليسيء إلى والديه، أو يؤذى جيرانه، أو يغشَّ الناس، أو يستقوى على الضعفاء من النِّساء واليتامى فيأكلَ حقوقهم، أو يأكل ميراثهم، وإنَّما شُرعت العبادة لتهذِّب السلوك وتقوِّمه وتقوِّى صلة الإنسان بربِّه وخالقه، وبمن يعيشون معه في مجتمعه.
وإنَّ رعاية الحقوق لتظهر معدِن الإنسان، وتكشف عن مدى تدينه وتعبُّده لربه جل وعلا؛ لذلك حرص القرآن الكريم على تقرير حقوق الله تعالى، وحقوق العباد والمخلوقات والتأكيد عليها؛ لما في ذلك من أثر عظيم في استقرار المجتمع من ناحية، وفى الدعوة إلى الله من ناحية أخرى.
وعلى الرغم من أهميَّة الحقوق واهتمام القرآن الكريم بها وتأكيده على رعايتها؛ فإنَّ هذا الموضوع لم يلق حظَّه المناسب من الدراسة؛ فقد خلت المكتبة العربية من أى دراسة بلاغيَّة تجمع الحقوق.
وسعيا للاهتمام بهذه القضية المهمة فقد نوقشت رسالة دكتوراه بقسم البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية بإيتاى البارود جامعة الأزهر، حملت عنوان: (آيات الحقوق في القرآن الكريم دراسة بلاغيَّة)، قدَّمها الباحث/ طاهر عبد المنعم على أبو يوسف؛ للحصول على درجة العالمية (الدكتوراه) في اللغة العربيَّة في البلاغة والنقد، يوم الأحد الموافق 16صفر 1442هـ 4 أكتوبر 2020م.
وتكوَّنت لجنة المناقشة والحكم على الرسالة من السَّادة الأساتذة: أ.د/ رفعت إسماعيل السودانى أستاذ البلاغة والنقد المتفرغ بكلية اللغة العربية بإيتاى البارود، وعضو اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين (مشرفًا)، وأ.د/ رضا السعيد فايد أستاذ البلاغة والنقد المساعد بكلية اللغة العربية بإيتاى البارود (مشرفًا مشاركًا)، أ.د/ سلامة جمعة داود أستاذ البلاغة والنقد وعميد كلية اللغة العربية بإيتاى البارود (مناقشًا داخليًّا)، أ.د/ فريد محمد النكلاوي أستاذ البلاغة والنقد المتفرغ بكلية اللغة العربية بالقاهرة، وأمين اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين (مناقشًا خارجيًّا). وقد حصل الباحث على درجة العالميَّة الدكتوراه بتقدير مرتبة الشرف الأولى.


أهداف الدراسة:
استهدفت الدراسة رصد بلاغة آيات الحقوق في القرآن الكريم التي جاءت في مقامات ظهرت فيها عناية الله ورحمته بعباده في دعوته إيَّاهم إلى توحيده، وظهر فيها لطفه تعالى بهم وتيسيره عليهم في العبادات، بالتدرُّج في التشريع أحيانا، وبالتخفيف عن ذوى الأعذار أحيانا أخرى، كما ظهرت عنايته ورحمته جل وعلا بالخلق في المقامات التي أمرهم فيها بإعطاء كل ذى حق حقَّه، ولقد ظهر ذلك جليَّا في الأمر باتِّباع النبى (صلَّى الله عليه وسلَّم)، وفى الأمر بالإحسان إلى الوالدين، وفى التأكيد على حقوق النساء واليتامى، والمحافظة على رعاية حقِّ البيوت لترسيخ الطُّهر والعفاف في المجتمع كلِّه، ذلك أنَّ الجامع لهذه الحقوق جميعا هو الرَّحمة، ومن ثمَّ جاءت هذه الدراسة لهذه الآيات، محاولة لبيان بلاغة النَّظم الحكيم في بيان مراد الله من عباده في جانب الحقوق والواجبات لعلها تكون تذكرة للغافل وردَّا للشَّارد وتليينا للجاحد، قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
أهمية الدراسة:
تنبع أهمية الدراسة من أن هذا الموضوع يأتي سدًّا لندرة الأبحاث في هذا الموضوع، ولفتًا إلى تنوع أساليب القرآن الكريم الدالـَّة على إعجازِه البيانيِّ؛ ليكون ذلك سبيلًا إلى الاستفادة منها والعمل بها، إضافة لما اشتملت عليه آيات الحقوق من قيمٍ دينيَّة (شخصية وأسريَّة واجتماعيَّة وإنسانيَّة)، والناس في حاجة ماسَّة إليها؛ لضبط علاقاتهم ومعاملاتهم، وأيضا بيان تأكيد النَّظم القرآنى العظيم على رعاية الحقوق وتأكيده عليها بشتى أساليب التوكيد، وإثبات ما تفرد به النَّظم القرآنى من ظواهر وأساليب خاصة في آيات الحقوق، وبيان طواعية هذا النَّظم المعجز لاختلاف الزَّمان والمكان والمخاطبين، حيث يعبِّر عن المعنى الواحد بنفس المادَّة الواحدة وبنفس الكلمات، مع اختلاف الصيغة الصَّرفيَّة، فتدلُّ في القرآن المكِّى على معنىً وغرضٍ تشريعىٍّ، وتدلُّ في المدنىِّ على آخر، كذلك توظيف علم البلاغة في الكشف عن الإشاراتٍ الخفية، والدلالاتٍ العميقةٍ، والحِكم ٍالعاليةٍ، في الأخلاقِ، الاجتماع، السياسة، التشريع، وأيضا فهم مصالح الأمة ومراعاتها من خلال آيات الحقوق، والكشف عن أهمية تنوع الأساليب بما يتناسب مع حال المخاطبين بالدعوة، وبيان وجه الحكمة في التدرُّج التشريعى الحكيم كل ذلك من أجل ضبط حركة المجتمع والارتقاء بالحياة وتحقيق السعادتين.

منهج الدراسة:
استخدم الباحث في إعداد هذه الدراسة المنهج التحليلى البلاغي، وذلك عند دراسة الآيات دراسة تحليليَّة بلاغيَّة تكشف عن أثر السِّياق في اصطفاء المفردات والأساليب التي يقتضيها، حيث قام بالتَّقديم للآيات موضوع الدراسة ببيان سياقها القريب والبعيد ومناسبتها للسورة التي وردت فيها بإيجاز، كما وضَّح الكلمات التي تحتاج إلى بيان، وتتبَّع بعض المفردات لبيان دلالتها، وذلك من خلال مواضعها التي وردت فيها في القرآن الكريم، كما أشار إلى أسباب النزول إن وجدت؛ لما لها من أثر في بيان بلاغة الأساليب والكلمات، كما تعرض إلى أوجه الاتفاق والاختلاف بين الآيات المتشابهة مع آيات الدراسة للوقوف على التعببيرات والأساليب التي اتفقت واختلفت في متشابه النَّظم، والسر البلاغي في الاتفاق والاختلاف.
تساؤلات الدراسة:
أجابت الدراسة عن عدة أسئلة وهي: ما الذي يميَز أسلوب النَّظم القرآنى في تقرير كل نوع من أنواع الحقوق عن غيره؟، وما أهمُّ خصائص النَّظم الحكيم في القرآن المكِّى والمدنى خاصَّة في جانب تقرير حقِّ التوحيد والتَّدرُّج في فرض الصلاة والزكاة؟، وما الفروق البلاغيَّة بين القراءات القرآنيَّة في الآية الواحدة؟، وما الفروق المعنويَّة والبلاغيَّة بين متشابه النَّظم القرآنى؟، وما أهمّيَّة مناسبة النزول في تجلية بلاغة النَّظم الحكيم؟.
خطَّة الدراسة:
جاءت الدراسة في مقدمة وتمهيد وعشرة فصول، أمَّا المقدمة فتشتمل على أسباب اختيار الموضوع وأهداف الدراسة والدراسات السابقة، وتناول التمهيد تعريف الحقوق ونبذة مختصرة عن الدراسات البلاغيَّة وتطوُّرها. وتناول الفصل الأول حقوق الله على العباد وأهمها: التَّوحيد ويشمل بلاغة القرآن في الدَّعوة إلى التَّوحيد وذلك من خلال مقامات وهى: إثبات حقِّ التوحيد بالأدلَّة المادِّيَّة، ضرب الأمثال، البراهين والحجج العقلية، التوبيخ على الشرك، إثبات حقِّ التوحيد عند أهل الكتاب. وحقوق الله من: الصلاة والزكاة والصِّيـام وفريضة الحج، وقد تتبَّع الباحث الآيات التي وردت فيها حسب ترتيب النُّزول لبيان التدرُّج التشريعى في فرضيتها. وتضمَّن الفصل الثَّانى حقوق النَّبى صلى الله عليه وسلَّم، أما الفصل الثالث حقوق الوالدين فتناول حقَّ الوالدين مع بيان الفروق المعنويَّة والأسلوبيَّة بين الآيات المتشابهة في هذا المقام، وجاء الفصل الرابع بعنوان حقوق الأبناء، وتناول الفصل الخامس حقوق النِّساء، وتضمَّن الفصل السادس حقوق الرَّعيّة وتعرَّض البحث لحقَّى النَّصيحة والشورى. أمَّا الفصل السَّابع فقد تحدَّث عن حق البيوت، وجاء الفصل الثّاَمن بعنوان حقِّ ذوى القربى والميراث، وتضمَّن الفصل التَّاسع آيات جمعت أكثر من حقٍّ، أكَّدت على توحيد الله عزَّ وجلَّ والإحسان إلى الوالدين وذوى القربى والجيران وأبناء السبيل والعبيد. وأمَّا الفصل العاشر والأخير فجاء بعنوان الخصائص الأسلوبيَّة لآيات الحقوق موضوع الدراسة، وفيه تعرض الباحث لأبرز السمات الأسلوبيَّة للأغراض والمقامات موضوع الدراسة. وتضمَّنت الخاتمة أهم النتائج والتوصيَّات.
نماذج تطبيقيَّة:
• اللغة العربية من مصادر إشاعة الجمال والجلال والذوق العام في هذه الحياة
أثبتت الدراسة أنَّ لغتنا العربية الجميلة، مصدر مهم من مصادر إشاعة الذوق العام والجمال والجلال في هذه الحياة، ومن مظاهر هذا الجمال والذى برز فى آيات الحقوق: أن هذه الآيات أكَّدت علوَّ النَّظم القرآنىِّ ودقَّته فعلى الرغم من أنها تناولت أحكاما وتشريعات وتنظيمات فإنَّها تمثِّل الغاية فى البلاغة والفصاحة والدِّقَّة. وأنَّ لأصوات الحروف دورا فى تجسيد المعانى وإبراز الصُّورة، حيث تنمُّ الألفاظ عن المعانى، وهو ما سمَّاه العلماء إمساس الألفاظ أشباه المعانى، وقد أفرد له ابن جنِّى بابًا في الخصائص(الخصائص لأبي الفتح عثمان ابن جني 2/152). وقد كثر التقديم والتأخير فى آيات الحقوق، ولم تقتصر أهمِّيَّته على الغايات الجماليَّة أو النَّحويَّة وإنَّما جاء لأغراض بلاغيَّة تستهدف إيصال المعانى والتَّوجيهات الأخلاقيَّة لكل الناس، وبما يسهم في تهذيبهم وترقية طباعهم.
• تحليل لبداية السور الكريمة (البقرة –النمل- لقمان)
النعت بالإيمان في أول سورة النَّمل ﴿هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مناسب للتصديق بوعد الله بنصره أوليائه وإهلاك أعدائه في قصص السورة، ولما ورد فيها من آيات كونية تفضى إلى الإيمان، ثمَّ جاء ذكر الصلاة والزكاة في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ بيانًا لما استحقُّوا به أن يوصفوا بالمؤمنين، وتخصيص الصَّلاة والزَّكاة دون سائر الأعمال الصالحة؛ لأنَّهما أهمُّ شعائر الإسلام وأشقُّها على النفس، ولكونهما من أهم سبل ولاية الله لعباده، وخُصَّ الإيمان بالآخرة لأنَّه أهم مسائل العقيدة والغيب والجامع لها. وفى مطلع سورة البقرة قُدِّم الإيمان بالغيب؛ لأنَّه استقرَّ في نفوسهم في الفترة المكِّيَّة وغرسه فيهم النبى وتعهَّده القرآن بالسُّقيا، حتى أثمر يقينا صادقا، جعلهم يبيعون كل شىء في سبيل الله، فهاجروا لله وتركوا كلَّ شىء. ومن عجيب التناسب بين الآيات الثلاثة: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (النمل: 3)، ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (لقمان:4)، ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة:3) التساوى في عدد الحروف حيث إنَّ عدد حروف كلِّ آية (سبعة وأربعون حرفا)، ويلاحظ التطابق التَّام بين آيتى النَّمل ولقمان وهما من السور المكِّيَّة، ولعلَّ في هذا التطابق العددى بين المواضع الثلاثة إشارة إلى أنَّ أهمِّيَّة الصلاة والزَّكاة في كلِّ زمان ومكان، قبل الهجرة، وبعد حصول الأمن والأمان في مجتمع المدينة، فهما من الثَّوابت التي لا تختلف أهمِّيَّتها باختلاف الزَّمان والمكان، ولا الخوف ولا الأمان؛ لأنَّ بعض النّاَس يهرعون وقت الخوف إلى الصَّلاة والصَّدقات فإذا ما أمنوا أهملوا وقصَّروا، ومنهم مَن يهمل في زكاة ماله لأنَّ النَّاس صاروا في رخاء والله أعلم.
• تحليل قوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾:
وفى ختام تحليل قوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ يؤكد أن الآيات قد سارت في منحنى تصاعدىٍّ نحو الوصول إلى تمام الإحسان، فبدأت بالتخلية من السلوكيات السَّيِّئة التي قد يدفع إليها شعور الإنسان بالقوة مقابل ضعف والديه واحتياجهما له، ثمَّ تدرَّجت في التَّحلية بكريم الخصال نحوهما، ابتداءً من الأمر بالقول الكريم، مرورًا بالرحمة القلبيَّة، ثمَّ وصولا إلى قمَّة الإحسان وهو مقام الشُّكر وذلك في قول الله عزَّ وجلَّ: (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)، وفى الآية توجيهٌ من الله سبحانه وتعالى بالتوسُّل إليه بالسَّبب الذي من أجله أمر سبحانه بالإحسان إليهما، وهو كونهما السبب في إيصال ربوبيَّة الله لأولادهما، وأرى أنَّ الكاف هنا بمعنى لام السببيَّة أي (لتربيتهما إيَّاي) والمجيء بياء المتكلِّم دون (إياي) لأنَّها حرف واحد، وذلك مناسب لكلمة (صَغِيرًا) التي جاءت بعدها بخلاف الضمير (إياي) المشعر بالعظمة. وعبارة الخاتمة (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) بمنزلة التعليل لكلِّ ما سبق من أوامر ونواهٍ، فهما سبب إيصال ربوبيَّة الله لأولادهما. وحذف أداة النداء للدلالة على القرب المشعر بالرَّجاء والطَّمع في الإجابة إخلاصًا وحبًّا منه لهما.
• حكمة القائد وقوته كفيلان بتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار والرفاهية:
يقول الباحث فى تحليل آيات قصة نملة سليمان عليه السلام: بداية نظم الآية الكريمة ببناء الفعل (حُشِرَ) لما لم يسمَّ فاعله، مناسب للآيتين السابقتين وتحديدًا قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ . وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (النمل: 15-16)، فالعلم من الله، والتفضيل منه، وقوله سبحانه على لسان سيدنا سليمان عليه السلام (وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ) اعتراف بأنَّ الفضل لله، وبناء الفعل الماضى (حُشِرَ) لما لم يسمَّ فاعله تأكيد على نفس المعنى وهو أنَّ الفضل لله القادر الذى سخَّر، وليس التَّسخير من سليمان وما كان ينبغى له إلا بفضل منه سبحانه، وإضافة (جنود) إلى ضمير سليمان لبيان تمام النِّعمة من التسخير والطَّاعة، فهم طوع إرادته على الرغم من تنوع أجناسهم . ثمَّ صعَّد النَّظم الحكيم من بيان الفضل والنِّعمة بذكره لأجناس هؤلاء الجنود فهم (مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ)، وهذا التَّنوع الذى قد يكون سببًا فى الاختلاف والتنازع جعله الله سبحانه فى يد سليمان تناغما وانسجاما، بأن أمرهم بطاعته، فجعلهم على اختلافهم (جنوده). وجملة (لا يحطمنَّكم) مستأنفة لغرض النهى، وسُلِّط النَّهى على العاقبة (يحطمنَّكم) مبالغة فى التَّحذير منها، فأرادت النهى عن البقاء فى أماكنهم، وعبَّرت عنه بما يؤول إليه تنفيرًا وتحذيرًا من الاستهانة بالأمر (ادخلوا)، وعليه يفهم من الآية ضرورة أن يكون الراعي مهابا ورحيما وقويا وحكيما في إدارة شئون الرعية حتى يتمكن من تحقيق صلاحها وإصلاحها وازدهارها. ومن هنا أيضًا كان التشديد على طاعة ولى الأمر قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59).
• آيات الحقوق ترسخ التراحم والتلاحم بين سائر المواطنين:
يبرهن الباحث على ذلك فى تقديمه لتحليل الآيات من (36)-(40) من سورة النساء فيقول: لمَّا بدأت السورة الكريمة بالأمر بتقوى الله الخالق، وأشارت إلى الأصل الواحد للرِّجال والنِّساء وللنَّاس جميعا، وأعادت الأمر بتقوى الله ورعاية الأرحام، ومن ثمَّ شرعت السورة الكريمة فى بيان حقوق العباد وتفصيلها، فبدأت بأضعف صنف فى المجتمع وهم اليتامى، وما تبعه من وصايا حتى وصلت إلى أحكام المواريث التى يؤدى الخلاف فيها إلى تقطيع الأرحام، ففصل الله تعالى القول فيها بقانون إلهى نابع من علمه وحكمته، وذكّرت الآيات بالإحسان إلى الضعفاء من غير أصحاب الفروض وقت تقسيم التركة، وبذلك يكون النَّظم الحكيم قد سبق الفقهاء فى ما يسمى بالوصيَّة الواجبة، ثمَّ عرَّجت الآيات على حقوق النِّساء حتى وصلت إلى كيفيَّة الإصلاح بين الزوجين، و”لما ذكر أنّ الرجال قوامون على النساء بتفضيل الله إياهم عليهن، وبإنفاق أموالهم، ودل بمفهوم اللقب أنه لا يكون قواماً على غيرهن، أوضح أنه مع كونه قوامًا على النساء هو أيضًا مأمور بالإحسان إلى الوالدين، وإلى الذين عطفوا على الوالدين. فجاءت حثاً على الإحسان، واستطراداً لمكارم الأخلاق، وأن المؤمن لا يكتفي من التكاليف الإحسانية بما يتعلق بزوجته فقط، بل عليه غيرها من بر الوالدين وغيرهم”( تفسير البحر المحيط لأبو حيان الغرناطي، 3/254) إمعانا في تحقيق التراحم والتلاحم في المجتمع.
نتائج الدراسة:
وفي نهاية رسالته قدَّم الباحث/ طاهر عبد المنعم على أبو يوسف أهم النتائج التي توصل إليها، ومن بينها:
أولا: جاءت آية الكرسىِّ أنموذجًا للدلالة على كمال الله تعالى، وذلك بتوالى الصفات بلا عاطف، إذ إنَّ ذلك يفيد كمال اجتماعها في الموصوف بها.
ثانيًا: لم تظهر أدوات التوكيد في تقرير حقِّ المرأة وذوى القربى مثلما ظهرت في حقوق أخرى، بينما كثر التوكيد بالأساليب، مثل التقديم والتأخير، والأمر والنَّهى، وكان للجملة الشرطيَّة حضور بارز في هذه الحقوق؛ لأن الجملة الشرطيَّة تجعل الكلام يبنى بعضه على بعض ويرتبط ببعضه، كما اعتنى النَّظم القرآنى في تقرير حقوق المرأة وذوى القربى بالجملة الإسميَّة، وذلك لأنَّ التَّشريعات التي تتناولها الآيات أحكام ثابتة لا تتغيَّر، والأكثر مناسبة لذلك، هو الجملة الإسميَّة التي تفيد الثبات والدوام بخلاف الجملة الفعلية التي تفيد التجدد والحدوث.
ثالثًا: أكَّدت آيات الحقوق علوَّ النَّظم القرآنىِّ ودقَّته، فعلى الرغم من أنّها تناولت أحكاما وتشريعات وتنظيمات، فإنَّها تمثِّل الغاية في البلاغة، والفصاحة والدِّقَّة.
رابعًا: الأمثال القرآنيَّة أَقْيِسَةٌ عقلِيَّةٌ يُنَبِّهُ الله تعالى بها عبَادَه على أَنَّ حُكْمَ الشَّيءِ حُكمُ مِثلِهِ فإن الْأَمْثَالَ كُلَّهَا قِيَاسَاتٌ يُعْلَمُ منها حُكْمُ الْمُمَثَّلِ من الْمُمَثَّلِ بِهِ.
خامسًا: للقراءات القرآنيَّة دور بارز في إثراء المعانى والظِّلال.
سادسًا: أسلوب الجدل في القرآن معجز لتنوُّعه بما يتناسب مع كلِّ مقام؛ فتعددت وسائله مع أهل الكتاب والمشركين بحسب الحال والمقام، حيث رغَّبهم تارة، ورهَّبهم أخرى، وحاورهم وأثنى على المحسن منهم، وراعى الزمان والمكان، وبَاشرهم بالخطاب تارة وغيبهم أخرى، ودعم مخاطبتهم بالحجة والمنطق؛ فجاء الأسلوب القرآنى في هذا المقام فريدًا في الرد والإجابة، بحيث لم يتخذ أسلوبًا واحدًا، بل نوَّع بطرق تشهد له بالبيان والإعجاز والحجاج.
سابعًا: لا وجود للتكرار في القرآن الكريم؛ فقد تبيَّن أن كلّ موضع جاء لبيان مقصد معين، وتحقيـق غاية معينة، وهذا أمر يتنافى مع القول بالتكرار.
ثامنًا: الاستخدام السليم للعربية يرقق الطباع ويهذبها ويرقيها ويبعدها عن الانحراف والتطرف.
تاسعا: التوازن بين الحقوق والواجبات في المنهج القرآني نموذج مثالي واجب الاحتذاء في الحياة والإدارة والعلاقات.
وتبقى هذه الدراسة المتخصصة في جانب مهم جدًّا وهو بلاغة القرآن الكريم المتعلقة بقضية الحقوق، وتفسيراتها الدقيقة لها، والتي تشرف بإعدادها د/ طاهر أبو يوسف، علامة مضيئة، ولبنة مهمة في صرح الدراسات البلاغية، وتطبيقاتها الحياتية والقيمية، فتحت آفاقا جديدة لمزيد من الدراسات التي تكشف جلال النص القرآن المعجز على مدى العصور والأزمان، وتؤكد عالمية الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان.
وبالله تعالى التَّوفيق

زر الذهاب إلى الأعلى