فتح مكة الذي سمي يوم ( الفتح الأكبر )

بقلم المستشار عبد السلام مهاجر قريرة

والذي حدث في عشرين رمضان من العام الثامن من الهجرة

فتح مكة المكرمة حدث عظيم في تاريخ الإسلام ، وكان سبب وقوعه هو نقض العهد من قبل كفار قريش الذي أخذوه على أنفسهم بموجب وثيقة صلح الحديبية الموقع بينهم وبين الرسول محمد صلى الله عليه وسلم
والتي تضمنت من بين بنودها :

أنه من أراد الدخول في حلف محمد وعهده دخل فيه ،

ومن أراد الدخول في حلف قريش وعهدهم دخل فيه ،

وبعد إبرام وثيقة الصلح هذه فقد دخلت قبيلة ( خزاعة ) في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ،

كما دخلت قبيلة ( بنو بكر ) في عهد قريش

وكان بين هاتين القبيلتين خلافات وحروب سابقة ،

وبعد فترة من معاهدة الصلح قامت قبيلة ( بنو بكر ) بالإغارة على قبيلة ( خزاعة ) أخذا منهم لثأر قديم لهم ،
وأعانت قريش قبيلة ( بني بكر ) في إغارتهم على قبيلة ( خزاعة ) وقتل بعض ابنائها ونهبت بعض أموالها

فأرسلت قبيلة ( خزاعة ) في طلب النجدة من الرسول عليه الصلاة والسلام ،

ونظرا لما راه عليه الصلاة والسلام من نقض العهد فقد أمر المسلمين بالخروج إلى مكة لفتحها وتخليص الناس من ظلم وطغيان كفار قريش وحلفائهم ،

وقد أدركت قريش خطورة ما أقدمت عليه من نقض للعهد بمناصرتها لبني بكر ،

وبذلك فقد أوفدت أحد زعمائها وهو : أبوسفيان بن حرب إلى يثرب ، لتدارك الأمر ومعالجة الموقف بالطرق الودية مع الرسول عليه الصلاة والسلام ،
إلا أنه بوصوله إلى المدينة وجد الناس يتجهزون للخروج ، ولامجال للتفاهم معه ، فقفل راجعا ،

وفي اليوم العاشر من رمضان السنة الثامنة للهجرة خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة لفتح مكة بجيش من المسلمين قوامه عشرة آلاف مقاتل ،

فلما وصل المسلمون إلى مشارف مكة المكرمة ، انطلق العباس بن عبدالمطلب إلى مكة لاستباق وصول جيش المسلمين لكي يحث قريشا على طلب الأمان من الرسول قبل أن يدخلها عليهم محاربا ،
فالتقاه أبو سفيان بن حرب زعيم قريش فنصحه العباس بأن يأتي معه ليطلب له الأمان من الرسول فجاء معه ، وبتقابلهما مع الرسول عليه الصلاة والسلام قال لأبي سفيان ألم يأن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ،

فأعلن أبو سفيان إسلامه ، وطلب العباس من رسول الله ، أن يجعل شيئا لأبي سفيان ،

فقال الرسول‏ :‏ من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل البيت الحرام فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ،

فأسرع أبو سفيان إلى قومه صارخا بأعلى صوته : ( يا معشر قريش هذا محمدا قد جاءكم بما لا قبل لكم به ، وقد قال : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن ،

فتفرق الناس واحتموا بدورهم وبالمسجد الحرام ،
ولما وصل الرسول الكريم إلى ذي طوى وزع جيشه إلى ثلاثة فرق :

فرقة أمّر عليها خالد بن الوليد وأمره أن يدخل مكة من أسفلها ،

وفرقة أمّر عليها الزبير بن العوام ، وأمره أن يدخل مكة من أعلاها ،

وفرقة أمّر عليها أبا عبيدة بن الجراح وأمره أن يسلك بطن الوادي

ووجّه الرسول أمراءَ الجيش الثلاثة بأن يكفوا أيديهم ولا يقاتلوا إلا من قاتلهم ،

فدخل جيش المسلمين مكة ولم يواجه مقاومة من أهلها ،
ماعدى مقاومة محدود لقيها جيش خالد بن الوليد من قبل مجموعة قليلة من قريش بقيادة عكرمة بن أبي جهل ،
تمت مقاومتهم وبقتل اثنى عشر رجلا وجرح العدد القليل منهم تم الإستسلام والتسليم بدخولهم لبيوتهم ، وقد قتل رجلان من المسلمين

ودخل الرسول عليه الصلاة والسلام مكة المكرمة من أعلاها وسار والمسلمون من حوله مرددا : لا إله إلله وحده ، نصر عبده ، وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، حتى دخل المسجد الحرام ، فأقبل إلى الحجر الأسود فقبله ، ثم طاف بالبيت ،

وقام بتحطيم الأصنام التي حول الكعبة ، تاليا قوله تعالى : ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا )

بعدها دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم سادن الكعبة عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاحها وأمر بفتحها ففتحت ، فدخلها وصلى بداخلها ، ثم خرج منها وأعاد مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة ،
ثم تجمعت رجالات قريش في انتظار ما سيفعله بهم محمد بن عبدالله ، فتوجه إليهم قائلا :

( يا معشر قريش ، ما تظنون أني فاعل بكم )

فقالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ،

قال : ( فاذهبوا فأنتم الطلقاء )

وأمر بلالا أن يصعد فيؤذن للصلاة على ظهر الكعبة وقريش تسمع ،

وفي اليوم التالي ألقى عليه الصلاة والسلام خطبة وضح فيها تعاليم الدين وحرمة البلد الأمين مكة التي كرمها رب العالمين ،
فدخل الناس في دين الله أفواجا ، قال تعالى :
( إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا )
وأقام عليه الصلاة والسلام بمكة المكرمة مايقرب من عشرين يوما رتب خلالها الشؤون العامة لعامة الناس ، والنظم الحياتية المطلوب مراعاتها من أهل مكة في عهدهم الجديد ، وقد نال أهلُ مكة بعد الفتح عفوًا عامًّا رغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته ،
وقد ترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتل أو السبي ، وإبقاء الأموال والممتلكات بيد أصحابها ، وعدم فرض الخراج عليها ، كما كان من نتائج فتح مكة اعتناقُ كثيرٍ من أهلها دينَ الإسلام ، وتطهير المسجد الحرام من رجس الجاهلية وعبادة الأصنام ، وجعل مكةُ المكرمة تحت نفوذ المسلمين
ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز

زر الذهاب إلى الأعلى