“تشريع السعي بين الصفا والمروة”
? بقلم فضيلة الأستاذ الدكتور/ سلامة جمعة داود
رئيس قطاع المعاهد الأزهرية
قال تعالى ” إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ” (البقرة 158 ) جاء تشريع السعى بين الصفا والمروة فى سياق آية النسخ ” مَانَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ” ( البقرة 106 ) ليقرر أن السعى باقٍ فى الإسلام كما كان فى الجاهلية وأنه لم ينسخ نسخ الله تعالى القبلة بتحويلها من المسجـد الأقصى إلى المسجد الحرام فى قوله ” قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ” ( البقرة 144) ، وأبقى السعى بين الصفا والمروة بلا نسخ مع تَحَرُّجِ المؤمنين وكراهيتهم الطواف بهما لما كان عليهما من الأصنام ؛ ليبتلى طاعة المؤمنين فى الانقياد لأمره والقبول والرضا .
?وذُكِرَ الأمر بالسعى بين الصفا والمروة فى سياق الابتلاء بشىء من الخوف والجوع قال تعالى ” وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ “(البقرة 155)، فالسعى بينهما تكريم للسيدة هاجر وتكريم لعاطفة الأمومة وتخليد لسعيها بين الجبلين سبعة أطواف مع ما فى ذلك من الجهد والنَّصَب طلبا للماء ليشرب سيدنا إسماعيل صلى الله عليه وسلم ؛ فهذا ابتلاء بفقد الماء قوام الحياة وسبب استبقائها ، وهذا السياق شبيه بالسياق الذى ذُكِرَ فيه الأمر بالصلاة فى مقام إبراهيم لأنه جاء فى سياق ابتلاء سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم بكلمات فأتمهن ، وهذا رباطٌ جامع وتناسب دقيق بين هذين المنسكين يدل على أن الصبر على الابتلاء هو الوسيلة إلى الفـوز والرفعة والتكريم ، وقُدِّمَ ابتلاء سيدنا إبراهيم برفع قواعد البيت على ابتلاء زوجه بفقد الماء مع أن الثانى أسبق زمنا ، ولعل فى ذلك إشارة إلى ضرورة الحرص على ما به قوام الدين وصلاحه ؛ لأن رفع قواعد البيت من أمر الدين وهو حياة الأرواح والقلوب.
?ويلاحظ فى ترتيب أعمال الحج والعمرة فى سورة البقرة تقديم الطواف والصلاة خلف المقام والسعى بين الصفا والمروة على ماذُكِرَ فى السورة من أحكام الحج والعمرة ، وهى الإحصار، والتمتع، وترك الرفث والفسـوق والجـدال ، والوقوفُ بعرفـات ، والإفاضة إلى المشعر الحرام “المزدلفة”، ورمى الجمار، والتعجل والتأخر وتقديم الطواف والصلاة خلف المقام والسعى يضع الحاج والمعتمر فى البيت العتيق مباشرة ويجعله فى رحاب الكعبة الشريفة طائفا عاكفا مصليا ساعيا كأنما طويت له فجاج الأرض طيا ؛ تعجيلا لما يجلب له السـرور من الظفر بما طال شوقه إليه وتاقت نفسه لبلوغه ، وهو الكعبة المشرفة ، ولو جرى الترتيب على ما يكون فى الواقع لقدم حكم المحصر لأنه مُنِعَ الوصول إلى البيت العتيق أصلا.
وهذا مقدَّم على سائر ما ذُكِرَ من أحكام وأعمال لاتكون إلا عند الوصول إلى البيت الحرام ، فرَغِبَ القرآن عن تقديم الإحصـار لما فيه من حَجْبٍ ومنعٍ مراعاةً لما تهوى إليه الأفئدة من بلوغ الكعبة والطواف والسعى، ولم يذكر السعى بين الصفا والمروة فى القرآن الكريم إلا فى هذه الآية الكريمة ؛ ولعل ذلك لأنه لا يجب فى الحج أو العمرة إلا مرة واحدة، بخلاف الطواف فإنه ذُكِرَ أربع مرات ، ومن لطائف المناسبة أن للطواف أربعة أنواع: القدوم، والإفاضة، والوداع، والطواف الذى هو تحية المسجد الحرام، فناسب العدد المعدود بحسب الظاهر ، وإن كان المراد بواحد منها السعى بين الصفا والمروة وذلك فى هذه الآية ، كما ذُكِرَ اثنان من الأربعة لعموم الطواف بالبيت فرضاً كان أو سنة فى سياق بناء البيت ورفع قـواعده فى قوله تعالى ” طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ” ( البقرة 125 ) ” وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ” ( الحج 26 ) ، والرابع فى طواف الركن ويسمى طواف الحج وطواف الإفاضة فى قوله ” وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ” ( الحج 29 ) .
?وتقديم ذكر الطواف فى ” طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ” ( البقرة 125 ) على ذكر السعى لأن الطواف قبل السعى، فشرط السعى أن يقع بعد طواف صحيح والصَّفَا والمَرْوَة الجبلان المعروفان عند البيت الحرام ، وفى تسمية السعى فى الآية طوافا تشبيه له بالطواف لأنه عبادة من جنسه ، فكلاهما يعتمد على المشى ، وكلاهما سبعة أشواط ، وشُغْلُ الطائف فيهما هو الذكرُ والدعاء والتضرع ، كما أن السعى يقع بعد الطواف وما جاور الشىء أخذ حكمه بل وأخذ اسمه أحيانا ، وتسمية الشىء باسم غيره باب واسع من أبواب العربية ، وسَمَّى الرسولُ صلى الله عليه وسلم السعيَ طوافا فى قوله للسيدة عائشة رضى الله عنها كما جاء فى كتاب الحج من صحيح مسلم “يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عن حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ”” ” .
?ولما كان الطواف والسعى قرينين وشبيهين اتحدت صيغة الفعل المضارع فى التعبير عنهما فجاءت على وزن ” تَفَعَّل ” فقال تعالى فى السـعى ” فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ” وفى طواف الإفاضة “وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ” ( الحج 29 ) ، والصيغة تدل على مافيهما من الجد والنَّصَب وبذل المجهود ، فالمؤمن فيهما يستخرج من النفس والبدن أقصى الطاقات، وجملة ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللّهِ ) مؤكدة بـ”إنَّ ” ليزيل التأكيد ما تردد فى نفوس المؤمنين من كراهية الطواف بالصفا والمروة لأن المشركين كانوا يطوفون بهما متمسحين بالصنمين.
?ولتقديم الصفا على المروة شرع الرسول صلى الله عليه وسلم البدء فى السعى بالصفا والانتهاء إلى المروة ؛ جاء فى وصف حجته صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم ” لما دَنَا من الصَّفَا قَرَأَ ” إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ من شَعَائِرِ اللَّهِ ” وقال ” أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ ” ؛ فَبَدَأَ بِالصَّفَا”” “
?وشعائر الله ما شرع لعباده من الدين ، وإضافة ( شَعَائِرِ ) إلى اسم الجلالة ( اللّهِ ) فى قوله تعالى ( مِن شَعَائِرِ اللّهِ ) ، ولم يقل: من شعائر الحج والعمرة ، فيها معان كثيرة، منها تشريف هذا المنسك بإضافته إلى اسم الجلالة ، ومنها: تربية المهابة فى قلب العبد بذكر اسم الجلالة، ليستحضر أنه حين يَطَّوَف بهما فإنه يؤدى شعيرة أضافها الله تعالى إلى نفسه، فيكون الله جل جلاله حاضرا فى نفسه عند كل شعيرة ، ومنها أن السعى بينهما كان من شعائر الحج والعمرة فى الجاهلية ؛ فلما قال سبحانه ( مِن شَعَائِرِ اللّهِ ) عُلِمَ على جهة القطع أنهما من شعائر الإسلام وشرائع الدين .
?وذُكِرَ لفظ (شَعَائِرِ) فى القرآن أربع مرات مضافا إلى اسم الجلالة (اللّهِ)، ولم يذكر إلا فى الحج والعمرة ، قال تعالى ” إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللّهِ ” ( البقرة 158) ” يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ اللّهِ ” (المائدة 2 ) ” ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ” ( الحج 32 ) ” وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ ” ( الحج 36 ) ، فهو من المعجم الخاص بالحج والعمرة فى القرآن الكريم وأخبر عن الصفا والمروة – نفس الجبلين – بأنهما من شعائر الله ، ولم يقل : إن الطواف بهما من شعـائر الله ، للإشارة إلى أنه يسن للساعى بينهما أن يرقى الجبلين ، فيرقى الصفا حتى يرى الكعبة المشرفة ، وكذا يرقى المروة تأسيا بفعله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه “بدأ بالصفا فَرَقِىَ عليه حتى رأى البيت”” ” ، وتقديم ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللّهِ ) على نفى الجناح عن الطواف بهما من تقديم السبب على المسبب للإيماء إلى بناء الحكم ؛ لأنهما إذا كانا من شعائر الله فإن المتذوق لحر البيان يدرك أنه تعالى ما نوه بهما إلا لما سيتعلق بهما من تشريع عظيم
?والحج فى اللغة القصد ، والعود إلى البيت مرة بعد مرة ، وفى الشرع قصد البيت لأداء مناسك الحج المعلومة 0 وذكر (الْبَيْت ) فى قوله تعالى (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ ) ، ولم يقل : فمن حج أو اعتمر، للدلالة على أن البيت هو المقصد، وهو الذى يكون إليه الحج والعمرة؛ ومع ذلك فالطواف بالصفا والمروة من شعائر الله تعالى بمكان ، يطَّوَّفَ الحاج بهما سبعة أطواف كما يَطَّوَّفُ بالبيت، بل إن طوافه بهما يبلغ منه الجهد أكثر مما يبلغ منه الطواف بالبيت ، والاعتمار من العُمْرَة وهى فى اللغة الزيارة وفى الشرع زيارة المسجد الحرام لأداء المناسك المعلومة ، وصيغ ” اعْتَمَرَ ” على وزن “افتعل ” لأن العمرة تطوُّعٌ ؛ يكلف المؤمن نفسه ما ليس فرضا كالحج، فهو يجلب لنفسه المشقة بالإحرام والطواف والسعى ؛ فناسبها التعبير بصيغة افتعل الدالة على بذل الجهد والمشقة ؛ أو لأن الصيغة تميِّزُ من يؤدى مناسك العمرة عمن يَعْمُرُ المسجد الحرام من المصلين والطائفين والقائمين والعاكفين والركع السجود ؛ ولذا لم يقل : فمن حج البيت أو عَمَرَه ؛ وعمارة المسجد الحرام مذكورة فى قوله تعالى ” أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِى سَبِيلِ اللّهِ ” ( التوبة 19).
كما تتميز بصيغتها عن عمارة جميع المساجد التى قال الله تعالى فيها “إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ” (التوبة 18 ) ، وأوثرت هذه الصيـغة أيضا ليكون لأداء العُمْرَة فِعْلٌ خاص به وهو ” اعْتَمَرَ ” كما أن للحج فعلا خاصا به وهو ” حَجَّ ” ، فالعمرة نوعٌ خاص من عمارة المسجد الحرام لأنها عمارة بالإحرام من المواقيت والطواف والسعى والصـلاة فى الحِجْرِ والمقـام والحلق أو التقصير ؛ فلا تخلو العُمْرَة من معنى العمارة، وهى عمارة بتطييب الروح وتنقيتها وتطهير البدن فى أطيب سـاعات العمر، واشتراك العُمْرة والعُمْر فى اشتقاقهما من مادة واحدة ( ع م ر ) لايفرق بينهما فى اللفظ إلا بالتاء المربوطة – فيه تشابهٌ يدل على أن العُمْرَة من العُمْر بمكان وأنها تَعْمُرُ العُمْرَ كما تعمر الروح البدن ، وتقديم الحج على الاعتمار هنا وفى قوله تعالى ” وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ” ( البقرة 196 ) لأن الحج ركن من الأركان الخمسة التى بُنِىَ عليها الإسلام، وتقديم العمرة عليه فى قوله تعالى ” فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ ” ( البقرة 196 ) مراعاة لأسبقية الأداء حيث يبدأ المتمتع بالعمرة أولاً ثم يتحلل حتى يحرم بالحج يوم التروية(الثامن من ذى الحجة ) ، وتلك هى المواضع الثلاثة التى ذُكِرَتْ فيها العمرة فى القرآن الكريم ، ولم تذكر إلا مقترنة بالحج لأنها من جنسه؛ فهى الحج الأصغر قوله تعالى ” فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ” الجُناح فى اللغة المَيل، قال تعالى ” وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ” ( الأنفال61 ) أى مالوا للسلم ، والغرض نفى الإثم عمن يطوف بالصفا والمروة
? الفرق بين " فَلا إِثْمَ " و " فَلاَ جُنَاحَ " :
الفرق بين نفى الإثم ونفى الجُناح أن نفى الجُناح فيه دلالة على نفى الإثم بطريق محسوس يُخْرِجُ هذا المعنى العقلى فى صورة حسية بمافيه من لمح أصل الاستعمال اللغوى الناظر إلى جنوح السفينة أى ميلها إلى أحد جانبيها أو جنوح السائر أى ميله عن جادة الطريق ، فشُبِّهَ استقامة الطائف بالصفا والمروة على شرع الله تعالى وعدم حيدته عنه قِيْدَ أُنْمُلَة باستواء السفينة التى تمخر عباب الماء دون أن تجنح أى تميل إلى أحد جانبيها فلا تتعرض للغرق، أو بسداد السائر فى طريق مستقيم متمسك به لا يجنح عنه ولا يميل ولا ينحرف ، فلاسبيل لأحد عليه بمؤاخذة أو مخالفة ، هذا ، مع أن نفى الإثم استعمله القـرآن الكـريم فى آيات الحج ، قال تعالى ” فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاإِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ” ( البقرة 203 ) ، وأوثر هنا التعبير بنفى الجُناح لمناسبة ما كان من كراهية بعض المسلمين الطواف بهما لوجود الصنمين ؛ فنفى الله تعالى عنهم الجناح أى الميل عما شرعه سبحانه لهم وكان عليه أبوهم إبراهيم عليه السلام.
و( يَطَّوَّفَ ) أصله يتطوَّف فقلبت تاء الافتعال طاء وأدغمت فى الطاء ، وهذا القلب غَلَّبَ حرف الطاء على الكلمة وجعله فى أُنُفِها بعد حرف المضارعة ، وجعله الصوت الأعلى فيها لتأكيد وجوب الطواف بهما وتأكيد نفى الإثم والحرج ، فالحاج والمعتمر يَطُوفُ بالصفا والمروة ويَطُوفُ ويَطُوفُ ، حتى يُتِمَّ سبعة أطواف ، والطاء المدغمة المشددة تناسب تكرار هذا الطواف شوطا شوطا، وكأنها تحكيه وتصوره والتطوع ما زاد على الفرض مما كان من جنسه ، كصلاة النافلة بالنسبة للفريضة ، قال الطبري ” معنى ذلك : ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه، وهذا هو الصواب لا قول من زعم أنه معنىٌّ به :فمن تطوع بالسعى والطواف بين الصفا والمروة؛ لأن الساعى بينهما لا يكون متطوعا بالسعى بينهما إلا فى حج تطوع أو عمرة تطوع”” ” و(خَيْراً ) نكرة تفيد العموم ، أى تطوع بفعل أى خير ، والعموم يمنح جملة التذييل استقلالا لتخرج مخرج المثل لشموله كل خير، فيندرج فيه التطوع بالحج والعمرة ، وفى هذا تأكيد لنفى الحرج والإثم عن الطواف بالصفا والمروة ببيان أنه من الخير.
فيكون إيجاب الطواف بهما فى قوله تعالى ( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَجُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) محاطا بما يشعر به من بين يديه ومن خلفه ، فمن بين يديه وصف الصفا والمروة بأنهما من شعائر الله ، ومن خلفه وصف التطوع بالطواف بهما بأنه خير ، والإخبار عنه سبحانه بأنه ( شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) ذُكِرَ فى هذه الآية وفى قوله تعالى ” مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً” (النساء 147) ، ولم يجتمع وصفه جل جلاله بالشكر والعلم إلا فى هاتين الآيتين ، وبينهما رباط ناظم ، فآية النساء وُصِفَ فيها المؤمنون بصفتى الشكر والإيمان ( شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ) والشكر بالقول والفعل ، والإيمان ما وقر فى القلب وصدقه العمل ، فيشمل الوصفان كل أنواع الخير لأنها من الإيمان ومن شكر المنعم جل جلاله والجمع بين الوصفين ( شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) يدل على أن الله تعالى يكافىء من تطوع خيرا مكافأتين، الأولى : بأن يجعل عمله مشرفا بعلمه سبحانه والصعود إليه جل جلاله ” إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ” ( فاطر 10 ) ، وقد أفرد سبحانه هذا الثواب بالذكر فى قوله ” وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ” ( البقرة 215 ) وعلمه به يدل على المثوبة عليه ، والثانية: الثواب الذى عبر عنه القرآن بالشكر ، وتقديم (شَاكِرٌ ) على ( عَلِيمٌ ) فى الموضعين مع أن علمه سبحانه قديم أزلى محيط ، يعلم ما يكون قبل أن يكون ، وعلمه بالطاعة أو الخير الذى فعله العبد سابق على المثوبة ومجازاة العبد عليه ، وفى هذا التقديم مبادرة بتعجيل الثواب ، وهذا من نعم الله تعالى على العاملين المخلصين ، بشرهم به فى الدنيا ليثبتوا على فعل الخير ويتزودوا منه .