تصحيح مفاهيم الفكر المتطرف المغلوطة.. بقلم لواء أحمد حامد العبد الأزهرى

إن أصحاب الفكر الجهادى والمتطرف استندوا إلى فتاوى تبيح وتجيز أعمالهم، باستخدامهم بعض الأدلة الشرعية والأحاديث النبوية بمعناها العام؛ ففهموها فهمًا مغلوطًا، وقد أدى سوء فهمهم إلى استباحة أعمالهم، إلا أن هذه الفتاوى لم تكن معبرة عن الإسلام الصحيح؛ لذا وجب علينا مناقشتها، وبيان الفهم المنحرف لهذه الأدلة وتصحيحها، وسنعرض أمثلة لبعض هذه الأحاديث النبوية فى عدة مقالات..

حديث «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله».. هذا الحديث رواه جمع من الصحابة- رضى الله عنهم- عبدالله بن عمر وأبوهريرة وجابر بن عبدالله وأنس بن مالك، بألفاظ مختلفة لا تغير فى المعنى.

لكى نفهم الحديث فهمًا منضبطًَا لا بد أن نقف على الفهم الصحيح لبعض ألفاظه، وهى: «أُمرت»، «أقاتل»، «الناس»، و«حتى» وهذا الفهم وفق ما فهمه علماء الإسلام:

– لفظ «أُمرت»: قول الرسول، صلى الله عليه وسلم، «أمرت»، يُفهم منه أن الله تعالى أمره، والمعلوم بأنه فى بداية الدعوة الإسلامية كان أصحاب النبى، صلى الله عليه وسلم، يتعرضون للأذى، وكان أصحابه يطالبونه بأن يأذن لهم بقتال المعتدين، والنبى، صلى الله عليه وسلم، لم يسمح لهم بذلك؛ لأن الأذن لم يأتِ من الله بعد، ولما قَوِيتْ شوكت المسلمين أذن الله لرسوله بأن يرد الاعتداء؛ فقال تعالى: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ»؛ فأعلن النبى، صلى الله عليه وسلم، لأصحابه أمر الله؛ فقال «أمرت أن أقاتل الناس… الحديث»، وعليه فالحديث مرتبط بسبب وروده، لا على إطلاقه، وان ما أُمر به النبى، صلى الله عليه وسلم،هو رد اعتداء المشركين على المسلمين، وبذلك فإن لفظ «أُمرت» مدلوله أن الأمر من الله بوحيٍ جَلىٍ للدفاع عن المسلمين، وعدم ترك أنفسهم فريسة لغيرهم.

– لفظ «أقاتل»: فى لغة العرب فرق بين «أقاتل» و«أقتل»، ولم يقل النبى، صلى الله عليه وسلم، «أقتل»، ولم يُثبت فى كل الروايات أنه قال: أقتل، والقتال أو المقاتلة يكون للدفاع ولرد العدوان، أما القتل فيُقصد به الاعتداء والفساد والإفساد فى الأرض والتعدى على النفس وإزهاقها بغير حق، فالمقاتلة تستلزم وقوع القتال بين جانبين متقاتلين، أما القتل فليس كذلك.

– لفظ «الناس»: تأتى كلمة الناس، وتكون من العام الذى يُراد به العموم على إطلاقه، مثل كلمة الناس فى قوله تعالى: «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ»، وتأتى كلمة الناس من العام الذى يُراد به الخصوص؛ فهى ليست لعموم الناس، كما فى قوله تعالى: «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»؛ فغير المسلمين لا حج عليهم، بالإضافة إلى أن الحج على المستطيع من المسلمين، والسؤال: كلمة «الناس» فى حديث «أُمرت أن أقاتل الناس» من أى الأنواع؟ فهى من العام الذى يُراد به الخصوص، وهى مخصصة بالاَيات القراَنية التى حددت من هم الذين أمر الله- تعالى- المسلمين بقتالهم، كما فى قوله تعالى: «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ»، والذين كانوا يقاتلون المسلمين اَنذاك هم: كفار قريش، أو مشركو جزيرة العرب، فيكون المعنى: أُمرت أن أقاتل من يقاتلنى من كفار قريش أو مشركى جزيرة العرب؛ أى أنه ليس المقصود بكلمة «الناس» فى الحديث: كل الناس، بدلالة التخصيص بقتال من يقاتلنا فى قوله تعالى: «وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ»، ولو كان لفظ «الناس» على عمومه، لوجب قتال المستأمنين والمعاهدين؛ فنحن مأمورون بحمايتهم، بل والبر بهم، والقسط معهم. قال تعالى: «لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»، وعليه، فلفظ «الناس» فى هذا الحديث لفظ عام، ولكن أُريد به الخصوص، أى المشركون المحاربون لرسول الله، صلى الله عليه وسلم وصحابته، وهذا ما دلت عليه رواية الإمام أبى داود والنسائى عن أنس بن مالك- رضى الله عنه- عن النبى، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «أُمرت أن أقاتل المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًاَ عبده ورسوله….»، والمشركون الذين أُمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بقتالهم هم: من قاتلوه فقط، وليس كل المشركين، وعليه، فالحديث والاَيات تفيد بقتال المشركين الذين يقاتلوننا، وليس كل المشركين، ولا كل الناس، وهو ما ينبغى فهم هذا الحديث الشريف فى ضوئه.

– لفظ «حتى»: قوله، صلى الله عليه وسلم، حتى «للغاية»، و«لا تفيد التعليل»؛ فمن فهم أن معنى قوله، صلى الله عليه وسلم،: «حتى يشهدوا» أن النبى صلى الله عليه وسلم، هو الذى بدأ يقاتل، وكأن الغرض والعلة من قتالهم إجبارهم على الإسلام، فجعلوا «حتى» بمعنى «لكى» فصار المعنى عنده: «أُمرت أن أقاتل الناس لكى يشهدوا… »، فالنبى، صلى الله عليه وسلم، لم يقاتلهم لكى يشهدوا، وإنما قاتلهم لأنهم يقاتلونه، ويترتب على ذلك إشكال لو كان علة مقاتلته لهم هى مقاتلتهم إياه فما جعل غاية القتال ونهايته أن يشهدوا.. وهذا فهم خاطئ، واستدلال منحرف، وعليه، فكلمة «حتى» فى الحديث لا تفيد ببيان علة القتال، وإنما تفيد الغاية والاستمرار فى جهاد المعتدين الذين يقاتلونه.

وعليه، فالأمر العام فى القرآن بالقتال، والأمر العام فى هذا الحديث بالقتال، إنما هو لغير المسلمين من المشركين، وأهل الكتاب، والمجوس… وغيرهم، وهذا العموم مخصوص بفئة منهم، وهى الفئة التى تقف عقبة فى وجه دعوة الإسلام، أو منع تبليغها للعالم

زر الذهاب إلى الأعلى