ثقافة الحوار بقلم / قمر الدعبوسي مجمع البحوث الإسلامية
إن هذه الثقافة عادة مكتسبة تغرس في الطفل وتكبر معه لتصبح واحدة من طباعه وسلوكه، فالقدرة على الحوار تفتح الأفق على التحليل والتفكير بطريقة منطقية، ومن خلالها يسعى المرء لإثبات وجوده وتعزيز خطاه، وهذا الأمر يشجعنا علي إدخال ثقافة الحوار في بيوتنا وفي المؤسسات التربوية والثقافية.
وللحوار طرق تختلف باختلاف مَن نتعامل معه ونحاوره، وهذا هو الأمر الذي يجب أن يعيه الآباء، ويجب أن تكون البداية من الأسرة ومن الوالدين اللذَين لا بدَّ أن يكوِّنا صداقة من نوع خاص مع أبنائهم؛ لبثِّ الطمأنينة في قلوب أبنائهم، وليُشعروا أولادهم بأنهم مهما قالوا ومهما فعلوا فإنهم يستطيعون الاستمرار في التحاور والإفصاح عن آرائهم دون خوف وبشكل منفتح.
إن بعض الآباء لا يتعاملون بمنطق الحوار مع أبنائهم، ولكن يفرضون ويُمْلُون عليهم آراءهم وأفكارهم وطريقة حياتهم الاجتماعية والأكاديمية، فبعضُ الآباء الصارمون يجبرون أولادهم على الالتحاق بالمدارس والنوادي الخاصة؛ لأنها لا تتسامح مع تباطؤ التحصيل العلمي، فهي مؤسسات تفرض رسومًا باهظة وتسلك منهجًا يحث الأطفال على أن يكونوا مغرورين ومتكبرين على أقرانهم في مدارس أخرى، ولأنها تشجِّع على الاندماج الثقافي والاجتماعي الراقي، كما أنها تجعلهم أكثر نجاحًا من آبائهم.
وثقافة الحوار هي أسلوب الحياة الذي يفترض أن يكون سائدًا بين الآباء والأبناء ليكون عاملًا مدعمًا للتفاهم وركيزة أساسية للانسجام والتعايش والاتفاق على صبغة تقبل الآخر مع أفكاره وثقافته، واحترامها مهما كانت متناقضة مع أفكار الآباء والأمهات.
ومن هذا المنطلق نرى أن ثقافة الحوار تؤسِّس لعَلاقة ناضجة؛ العناصر وثيقة العُرَى، وبين الآباء والأبناء عَلاقة يخيِّم عليها التواصل والتفاهم، ويتعلم الأبناء من خلالها أساليب المناقشة الهادئة البعيدة عن التزمُّت والعناد، وبهذا تتعمَّق لديهم قناعات اجتماعية إيجابية تؤهلهم للتكيُّف مع المجتمع.
ونجد بعض الآباء يفرضون القوانين على أولادهم، مثل عدم الاختلاط مع أولاد جيلهم؛ وذلك لحمايتهم من المشكلات الاجتماعية. ويُحكَى أن فتاة لم تستمع أسرتها إليها بحجة أنها صغيرة وأنها تتدخل في أمور بعيدة عنها، وتربَّت هذه الفتاة على عدم الحوار وعدم اتخاذ القرار وعدم الاعتماد على النفس، فأُجبرَتْ على أن تدخل كلية دون أن تُؤخَذ وجهة نظرها بعين الاعتبار.
وأنصح أن يأخذ الآباء بمنطق الحوار بشكل مستمر، وأن يأخذوا رأي أبنائهم في اختيار قراراتهم، فكل أسرة تتعامل مع أبناىها حسب وعيها الاجتماعي. إن النظرة الاجتماعية التي تربَّى عليها بعض الأبناء، التي لا تسمح لهم بممارسة الحوار وإبداء الرأي داخل الأسر لكونهم يعدُْونه تدخلًا في شئون الكبار؛ ستؤدي إلى نتائج سلبية، وبالرغم من أن لها بعض الفوائد فإن بعض الأُسر لديها وعي كامل وإدراك لأهمية الحوار وتلقينه لأبنائهم منذ الصغر؛ لكي يمنحوهم الثقة بالنفس والإحساس بأهميتهم وأهمية رأيهم الشخصي، ويمنحوهم فرصة في اختيار ما يخصهم بشكل عام، وتعويدهم على إبداء رأيهم في بعض الأمور التي تتناسب مع سنِّهم.
ولمَّا كانت ثقافة الحوار تعني احترام الرأي الآخر فهي حتماً ستقود الي احترام الذات الإنسانيه للأبناء، فلا نفرض عليهم آراءنا بوصفنا آباء مجربين علمتنا الحياة الكثير؛ وإنما نساعدهم على أن تتأصل فيهم هذه العادة الحميدة التي تمكنهم من التمتع بثمار نتائجها، وذلك عبر مشاركتهم في الحوار؛ وعندئذ تتحقق الصورة الجميلة التي رسمها المثل الشعبي عن مستقبل العلاقة بين الآباء وأبنائهم (إذا كبر ابنك فآخه) أي: اتخذه أخًا لك، وتعامل معه في إطار هذا المفهوم لتنشأ عَلاقة دافئة بين الطرفين.
ولتفادِي بعض المخاطر؛ يجب الحرص علي بقاء قنوات الحوار مفتوحة، وجسور التواصل ممدودة بين الآباء والأبناء، وأنوِّه بالحوار المتجدد والمتطور الذي يواكب روح العصر ومعطياته. لذا أنصح أن يعيش الآباء عصر أبنائهم، وأن يروا الحياة بمنظار مشترك، ويناقشوا الأمور بفكر يساير عصرهم، ويتفاعلوا معه بعقل منفتح وسعي حثيث؛ للإمساك بخيوط التفاهم المشترك.
إننا بهذا السلوك نمهِّد للدخول إلي عالم الأبناء الخاص، لمعرفة احتياجاتهم وتسهيل التعامل معهم؛ ممَّا يساعد الآباء علي تنشئة أبنائهم تنشئة سوية. وتحت مظلة الحوار تنمو شخصية الأبناء نموًّا متوازنًا، وتتعمق ثقتهم بأنفسهم؛ فآراؤهم تحترم وتناقش بجدية، ممَّا يولِّد لديهم الدافع إلي التفكير السوي بعيدًا عن التعليمات والإملاءات؛ فيصلِون إلي أهدافهم بفطنة وحكمة ومنطق، فتغتني حياتهم بثروة من التجارب والخبرات.