تصحيح المفاهيم المغلوطة للفكر المتطرف بقلم لواء/ أحمد العبد الأزهرى
تواصلاً لتصحيح مفاهيم أصحاب الفكر الجهادى والمتطرف الذين إستندوا إلى فتاوى تبيح وتجيز أعمالهم بإستخدامهم بعض الأدلة الشرعية والأحاديث النبويه بمعناها العام، ففهموها فهما مغلوطا، وقد أدى سوء فهمهم للتدليل على إباحة أعمالهم، لذا وجب علينا مناقشتها وبيان الفهم المنحرف لهذه الأدلة وتصحيحها.
الحديث الثانى : عن أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائز، أو أمير جائر”
هذا الحديث رواه أبى سعيد الخدرى وأبو أسامه الباهلى، وطارق بن شهاب رضى الله عنهم ورواية أبى سعيد الخدرى وأبى أسامه الباهلى إسنادها ضعيف ولكن لها شواهد ومتابعة فترقى إلى الحسن لغيرة أما رواية طارق بن شهاب فإسنادها صحيح .
الفهم الخاطئ للحديث وتصحيحه: فهم بعض الناس من هذا الحديث: أنه حجة لاستباحة أعراض الحكام وولاة الأمر بالسباب، والشتم واللعن فى الأسواق، والقنوات الأعلامية، بحجة: أنها كلمة حق تقال عند سلطان جائر وإن فهمهم للحديث فهم منحرف، يؤدى إلى نشر الفوضى، وإشاعة الفتن بين الشعوب، لتقوم بالخروج على الأمراء والحكام، ومحاربتهم بالقوة، وإستباحة أعراضهم بالسباب، والشتم واللعن بحجة: أنها كلمة حق تقال عند سلطان جائر، ولكن ليس فى الحديث ما يدل على إستباحة أعراضهم بالسباب والشتم فهذا منهى عنه وإنما الحديث إنكار المنكر بضوابط وشروطه وهذا واجب المسلم نحو أخيه حاكماً كان أو محكوماً.
ولكن من الذى ينكر على الحاكم؟ وكيف تكون طريقة الإنكار؟ وما هى حدود هذا الإنكار؟.
لما كان الخروج على الحاكم ونشر الفوضى مفسدة أعظم، وفتنة أكبر، فقد جاء البيان بلزوم الصبر المقرون بالأجر، حتى تنكشف الغمة، ويستقر الأمر، ويزول الظلم لأن تمتع المجتمع بنعمة الأمن والأمان فى ظل حاكم ظالم أولىمن ضياع هذه النعمة بالتخريب والتدمير وإنهيار المجتمع أمنياً وأقتصادياً،ولنأخذ العبرة من الدول التى حولنا، وما نحن بالدمار والخراب الذى لحق بها ببعيد، وقد وردت أحاديث عديدة فى بيان أنه يلزم الصبر والطاعة للحاكم فى غير معصية، وهذا هو الأقرب لصلاح المجتمع.
ومن هذه الأحاديث ما أخرجه البخارى فى صحيحه قال: عن أبى عباس، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ” من كره من أمير شيئاً فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتة جاهلية ” والحديث يريد إبعاد الناس عن الخروج على الحاكم حتى لا ينهار البنيان الأمنى والأجتماعى والأقتصادى، ومعنى مات ميتة جاهلية: أن اللفظ جاء على سبيل المبالغة بالتهديد والوعيد لمن فعل بعض ذلك وليس معناه موت على غير الإسلام بل موت على كبيرة من كبائر الذنوب.
وما أخرجه البخارى رحمه الله أيضا قال: عن الزبير بن عدى، قال : أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: ” أصبروا، فإنه لا يأتى عيلكم زمان إلا الذى بعده شر منه، حتى تلقو ربكم ” سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم وهذا الحديث يفيد أننا كلما أبتعدنا فى الزمان عن زمن النبوة قل التمسك بأنوار النبوة وهذا معنى قوله ” إلا الذى بعده شر منه “
وأخرج مسلم رحمه الله فقال: عن علقمة بن وائل الحضرمى، عن أبيه، قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبى الله، أرايت إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، ثم سأله فى الثانية أو الثالثة، فجذبه الأشعث ابن قيس، وقال: ” إسمعو وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملو، وعليكم ما حملتم ” وهذا الحديث يشير إلى معنى قوله تعالى ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ ﴾والحاكم فى حالة ظلمه مسئول أمام الله عما صنع بالأمانة الذى إستأمنه الله عليها والمجتمع مسئول عن ضياع حقوق الله فيما بينهم.
وهناك أحاديث أخرى كثيرة منها ﴿1﴾
﴿1﴾ حديث أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الأذان – باب إمامة العبد والمولى ﴿1/140﴾ برقم: ﴿693﴾ وهذا الحديث يشير الى أمر العباد بالسمع والطاعة للحاكم فى غير معصية الله للحفاظ على سلامة وأمن المجتمع ولو كان هذا الحاكم عبداً حبشياً قد تزدريه بعينك.
حديث أخرجه ابن حبان في صحيحه – كتاب: السير – باب طاعة الأئمة ﴿10/425﴾، برقم ﴿4562﴾، وسنده حسن وهذا الحديث بيان نبوى يرتب الأولويات فأولها إستقرار المجتمع بعدم الخروج على الحاكم ولو ظلم بأكل الحقوق أو بجلد الظهر فلأجل تحقيق الإستقرار المجتمعى أتنازل بترك مالى أو جلد ظهري ولكن لا أطيع الحاكم إذا أمر بمعصية واضحه تخالف شريعة الإسلام.
حديث أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه – كتاب السير – باب في إمام السرية يأمرهم بالمعصية، من قال لا طاعة له ﴿6/544﴾ رقم ﴿33711﴾ وهذا الحديث يشير الى أمر بعدم الفرقة والحفاظ عليها والتضحية من أجل نعمة الأمن والإستقرار.
حديث أخرجه مسلم في صحيحه – كتاب الإمارة – باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية ﴿3/1836﴾، رقم ﴿1993﴾ وهذا الحديث يشير إلي أن المسلم والمسلمة يضحى بفضيلة الإيثار لتقديم المصلحة العليا للمجتمع على المصلحة الخاصة.
حديث أخرجه البخاري في صحيحه – كتاب الفتن – باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿سترون بعدي أمورًا تنكرونها﴾ ﴿99/47﴾، برقم: ﴿7055﴾، ومسلم في صحيحه – كتاب الإمارة – باب: الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر ﴿3/1470﴾، برقم ﴿1709﴾ وهذا الحديث يشير إلي أن واجب المجتمع المسلم طاعة الحاكم للحفاظ على الأمن والإستقرار فى المجتمع و الالتزام بالسمع والطاعة ولا ينكرون عليه﴿ أصل الإنكار بضوابط لا يعدو كونه نصيحة لكن الممنوع الخروج عليه وخلع بيعته ﴾ إلا إذا رأوا كفرا بواحاً أى ظاهراً بيناً مخالفاً للنصوص الشرعية مخالفة جلية واضحة بتغيير ثوابت الدين.
وخلاصة ما ترشد إليه هذه الأحاديث وغيرها بيان الفهم المنحرف، وتُصرح بتحريم الخروج على الحاكم المسلم ولو ظلم أو جار، وتأمر بالصبر عليه، ووجوب السمع والطاعة له في غير معصية الله لإستقرار المجتمع، وترد على دعاة الفتنة القائلين بالخروج على الحكام المسلمين بالسلاح؛ فإن السلاح ما أتى إلا بالفتنة والخراب، وما كان يومًا سبيلاً لدفع ظلم أو إنهاء الجوع، وقد خرج الناس بالسلاح في عهد عثمان رضى الله عنه، وقد خرج الخوارج بالسلاح فى عهد علي بن أبي طالب رضى الله عنه، وفى العصر الحاضر خرج الناس بالسلاح فى سوريا ولبيا واليمن والسودان فإنهارت هذه الدول وضاع الأمن والأمان والإستقرار فيها وتفرق أهلها فى البلاد حتى الأن.
واستجابة لهذه الأوامر النبوية؛ كانت تطبيقات الصحابة رضي الله عنهم وافية الدلالة على مدى حرصهم على توحيد الصف، ونبذ الفرقة، فهذا ابن عمر رضي الله عنهما – كان يُصلي خلف الحجاج﴿1﴾، بل لم يكن يأت أمير إلا صلى خلفه.
فعن زيد بن أسلم: “أن ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلا صلى خلفه، وأدى إليه زكاة ماله”﴿2﴾.، وعن محمد بن المنكدر قال: “لما بُويع لزيد بن معاوية ذكر ذلك لابن عمر، فقال: إن كان خيرًا رضينا، وإن كان شرًا صبرنا”﴿3﴾.، وعليه: فإن حديث ﴿أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر﴾ يوضح: أن الحاكم إذا أخطأ أو حاد عن الصواب؛ فإن النصيحة له واجبة، وكلمة الحق عنده من أعظم الجهاد، طالما خرجت بحكمة، وبُذلت بإخلاص، ولم ننشر فوضى، أونتسبب في فتنة.
والراجح: أن الإنكار على الحاكم يكون سرًا، وهو المفهوم من عبارة ﴿عند﴾ في قوله: ﴿كلمة حق عند سطان جائر﴾، حيث يؤدي الناصح الغرض من النصيحة دون تشهير أو إيذاء من جهة، ودون إهلاك لنفسه من جهة أخرى.، فالعلانية هي مفتاح الشر الذي يفتح باب الفتنة على مصراعيه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلوا به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه”﴿4﴾.
، وتحديد طريقة الإنكار بالسر تغلق الباب أمام من يتخذون الوسائل الإعلامية، من: صحائف وقنوات تلفزيونية وسيلة للإنكار؛ لأن هذا تشهير بالمسلم وإيذاء له، والإنسان لا يرضى لنفسه أن يُنصح على المنابر، وأن يشهر به بهذه الطريقة، وأن يتكلم معه بحضرة الناس، ولهذا قال الشافعي رحمة الله عليه: “من وعظ أخاه سرًا؛ فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية؛ فقد فضحه وشانه”﴿5﴾.
وقد قال ابنُ القيم رحمه الله “أن النبي صلى الله عليه وسلم – شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله، فإنه لا يسوغ إنكاره ﴿6﴾، هذا هو فقه هذا الحديث مع بقية نصوص الشرع، وبذلك يتبين: أن الفهم الخاطئ لحديث ﴿أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر﴾ يقود إلى ما لا تُحمد عقباه، وأن أصحاب الفكر المنحرف، والمذاهب المتطرفة لم يفهموا الحديث بمثل ما فهمه العلماء.