داود: الأزهر حصن الدين واللغة ومنارة التوسط والاعتدال

كتب حامد طعيمة 

قال فضيلة الدكتور سلامة داود رئيس جامعة الأزهر  

 الحمد لله الذي جعل الأزهر الشريف كعبة للعلم ، تهوي إليه الأفئدة من كل فج عميق ، الحمد لله الذي مَنَّ علينا بشرف الخدمة فيه ، والعيش في رحابه ، والارتواء من نبعه العذب ، اللهم كما أكرمتنا بشرف الخدمة فيه فأعنا وتقبل منا وأدم علينا وعلى العالم أجمع نعمةَ الأزهر الشريف. 

وأكد رئيس الجامعة خلال كلمته في افتتاح احتفالية الجامع الأزهر بمرور 1083 عاما على تأسيسه، أن الأزهر الشريف هو حصن الدين واللغة ، ومنارةِ التوسط والاعتدال ، داعيا المولى عز وجل أن يوفق شيخه الجليل الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب لإتمام ما شيد فيه من نهضة وتطوير وتجديد. 

وأعلن رئيس الجامعة اننا نحتفل بالذكرى الثالثة والثمانين بعد الألفِ لإقامةِ أولِ صلاةٍ في الجامع الأزهر في السابعِ من شهر رمضانَ في السنة الحادية والستين بعد المئة الثالثة من الهجرة ، مؤكدا اننا نحتفل بصرح العلم الشامخ وركنه الركين وحصنه الحصين ، في الجامع الأزهر الشريف ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)) (النور: 36 – 38 ) ، لافتا إلى أن بيوت الله جل جلاله فيها نور على نور ، نور الوضوء على نور الذكر على نور تلاوة القرآن الكريم ونور القيام والركوع والسجود ، ومع جلال هذا النور الكثيف فإن الجامع الأزهر ازداد نورا بالعلم الذي تسمع له في أروقته وجنباته دويا كدوي النحل. 

وأضاف رئيس جامعة الأزهر أن الأزهر الشريف كان شمسا أشرقت في سماء مصر واستضاء بها العالم كلُّه ، حتى قال أحد الرحالة عن ليالي رمضان فيه ( ليلة بذلك المسجد كليلة القدر ، لأنه معمور بالذكر والتلاوة والتعليم آناءَ الليل وأطرافَ النهار ، لاتنقطع منه العبادة ليلا ولا نهارا ، صيفا ولا شتاء ، فهو عديم النظير في مساجد الدنيا بأجمعها ، حاشا المساجدِ الثلاثة لما لها عند الله من أعظم المزايا وأرفعها “. 

وبين رئيس جامعة الأزهر أن الشعراء تغنوا بالجامع الأزهر فقيل فيه. 

 قال ابن خلدون الذي أكرمه الله تعالى بالتدريس في الجامع الأزهر ” إن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر ، لما أن عمرانها مستبحر ، وحضارتَها مستحكِمة منذ آلاف السنين ؛ فاستحكمت بها الصنائع وتفننت ، ومن جملتها تعلمُ العلم ، وأن معاهدها العلمية تدفقت بها سوق العلوم وذخرت بحارها”” ” قف يا زمان وحدِّث ، ولو نطقت جدرانُه لأسمعتك أصوات العلم والعلماء ، لأسمعتك صوت العز بن عبد السلام سلطان العلماء وبائع الأمراء الذي كان مجلس فقهه يوصف بأنه أبهى مجلس فقهٍ في الدنيا ، ولأسمعتك جدرانُه لو نطقت صوت : ابن خَلِّكان صاحب وفيات الأعيان والشهاب القرافي وهو أحد العقول الضخمة في الإسلام ، وصوت ابن دقيق العيد الذي قل أن ترى العيونُ مثلَه ، وكان السلطان المملوكي ينزل له عن سريره ويقبل يدَه ، وأثنى عليه السبكي فقال ” لم ندرك أحدا من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالمُ المبعوثُ على رأس السبعمائة المشار إليه في الحديث أستاذ زمانه علما ودينا ” ، ولأسمعتك جدرانُه صوت العلامة تقي الدين السبكي الكبير وابنه تاج الدين عبد الوهاب السبكي صاحب طبقات الشافعية الكبرى وابنه بهاء الدين السبكي صاحب ” عروس الأفراح ” ، ولأسمعتك جدرانُه صوت خليل المالكي صاحب المختصر المشهور ” مختصر خليل ” الذي قامت عليه شروح كتب المذهب ، ولأسمعتك جدرانُه صوت بان خلدون التونسي وتقي الدين الفاسي المغربي والزواوي المالكي والزيلعي الحبشي وزين الدين العراقي وابن هشام النحوي الذي قال فيه ابن خلدون ” مازلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه قد ظهر بمصر عالم يقال له ابن هشام ، هو أنحى من سيبويه ” ، وصوت ابن عقيل وهو يشرح الألفية وابن حجر العسقلاني وبدر الدين العيني وهما يشرحان صحيح البخاري ، وكان السلطان برسباي المملوكي يقول ” لولا القاضي العيني ما حسن إسلامنا ، ولا عرفنا كيف نسير في المملكة ” ، ولأسمعتك جدرانُه المقريزي في خططه ، وصوت الحافظ السخاوي والحافظ جلال الدين السيوطي الذي ألف أكثر من خمسمائة مؤلف ، وصوت شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وهذا قٌلٌّ من كُثْر وغيض ٌ من فيض ، يا أيها الأزهر الشامخ الذي طوى القرون والأعصرا ، ووقف شوقي أمير الشعراء فيك مرددا :

يا مَعهَداً أَفنى القُرونَ جِدارُهُ وَطَوى اللَيالِيَ رَكنُهُ وَالأَعصُرا

وَمَشى عَلى يَبَسِ المَشارِقِ نورُهُ وَأَضاءَ أَبيَضَ لُجِّها وَالأَحمَرا

وَأَتى الزَمانُ عَلَيهِ يَحمي سُنَّةً وَيَذودُ عَن نُسُكٍ وَيَمنَعُ مَشعَرا

في الفاطِمِيّينَ اِنتَمى يَنبوعُهُ عَذبَ الأُصولِ كَجَدِّهِم مُتَفَجِّرا

عَينٌ مِنَ الفُرقانِ فاضَ نَميرُها وَحْياً مِنَ الفُصحى جَرى وَتَحَدَّرا

ما ضَرَّني أَن لَيسَ أُفقُكَ مَطلَعي وَعَلى كَواكِبِهِ تَعَلَّمتُ السُرى

وتغنى الشعراء بجدرانك ومبانيك ، حتى قال شاعر الأزهر الدكتور علاء جانب : 

  من سره فخر بغيرك إنني حتى بجدران المباني أفخر

وقال رئيس الجامعة، ويمضى الأزهر مع الزمان يقهر الجهل والظلم وتتحطم على جدرانه أطماع الحاقدين والحاسدين والمرجفين ، ويقيض له الله جل جلاله في كل عصر من يقوم بشرف خدمته والنهوض به ، من شيوخه العظماء وأئمته الأعلام وأعلامه النبلاء، الذين قال فيهم شوقي :

        كانوا أَجَلَّ مِنَ المُلوكِ جَلالَةً وَأَعَزَّ سُلطاناً وَأَفخَمَ مَظهَرا

        زَمَنُ المَخاوِفِ كانَ فيهِ جَنابُهُم حَرَمَ الأَمانِ وَكانَ ظِلُّهُمُ الذَرا

        مِن كُلِّ بَحرٍ في الشَريعَةِ زاخِرٍ وَيُريكَهُ الخُلُقُ العَظيمُ غَضَنفَرا

وَمَشى إِلى الحَلَقاتِ فَاِنفَجَرَت لَهُ حِلَقاً كَهالاتِ السَماءِ مُنَوِّرا

         حَتّى ظَنَنّا الشافِعِيَّ وَمالِكاً وَأَبا حَنيفَةِ وَاِبنَ حَنبَلَ حُضَّرا

        إِنَّ الَّذي جَعَلَ العَتيـقَ مَثابَةً جَعَلَ الكِنانِيَّ المُبارَكَ كَوثَرا

وأضاف رئيس الجامعة أنه اذا فكرنا مليا في هؤلاء الشيوخ الكبار الذين قيضهم الله تعالى للأزهر الشريف في زماننا ، واذكر الشيوخ الأجلاء : المراغي والشناوي ومصطفى عبد الرازق وعبد المجيد سليم وإبراهيم حُمْرُوش ومحمد الخضر حسين وعبد الرحمن تاج ومحمود شلتوت وعبد الحليم محمود وجاد الحق ومحمد سيد طنطاوي حتى تَسَلَّمَ الرايةَ الإمامُ الأكبرُ الدكتور أحمد الطيب شيخُ الأزهر الذي وهب حياته للأزهر الشريف وقدم له من المفاخر والمآثر ما يصعب حصره ، أحيا هيئة كبار العلماء وشهد الجامع الأزهر في عهده أكبر عملية ترميم في تاريخه ، وأعاد الحياة إلى أروقته فانتشرت في ساحات الجامع الأزهر بل جعل الأروقة في كل محافظات مصر ، واتسع انتشار المعاهد الأزهرية وكليات جامعة الأزهر فبلغ عدد المعاهد أكثر من أحد عشر ألف معهد ، وبلغ عدد الكليات الأزهرية تسعين كلية وثمانية عشر معهدا ملحقا بها، ولم يقف الأمر عن هذا بل أنشأ فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف عددا من المراكز المهمة داخل الأزهر مثل مركز الأزهر للرصد والفتوى الإلكترونية والترجمة ، وأكاديمية الأزهر العالمية لتأهيل وتدريب الأئمة والدعاة والوعاظ والباحثين وأمناء الفتوى ، كما أسس بيت العائلة المصري لتوثيق روابط الأخوة الوطنية ، وأنشأ بيت الزكاة والصدقات المصري لمساعدة الفقراء ، وأنشأ لجنة المصالحات العليا لصيانة الأنفس وحقن الدماء ، وأسس مجلس حكماء المسلمين من أجل السلام العالمي والحوار والتسامح ، ووقع وثيقة الأخوة الإنسانية مع بابا الفاتيكان ، وأرسل كثيرا من القوافل الإغاثية والطبية داخل مصر وخارجها ، ولا يزال نهر العطاء والخير على يديه جاريا ، أسأل الله تعالى أن يحفظه ويبارك فيه.

مشيرا إلى أنه درج الأزهر منذ نشأته على أن يبيح للطالب أن يختار أستاذه ، وأن يتيح لكل شيخ الطريقة التي يختارها للتدريس فمنهم من يقرأ لطلابه ومنهم من يُقْرَأُ عليه ويرى أن الشيخ يُقْرَأُ عليه ولا يَقْرَأ ، ومنهم من يختصر ومنهم من يطيل ؛ ولذلك قالوا : ” لكل شيخ طريقة ” ؛ حتى أُخِذَتْ هذه المقولة من هذه الحرية التي كان عليها التدريس في الأزهر الشريف ، كما أُخِذَ لقب ” المعيد ” من طريقة التدريس في الأزهر الشريف ، وهو الذي يختاره الشيخ ليعيد للطلاب الدرس الذي شرحه الشيخ ، ثم انتقل هذا اللقب إلى جامعات العالم ” 

وأوضح رئيس الجامعة أنه من محاسن الأقدار أن احتفال الأزهر اليوم بذكرى تأسيسه في السابع من رمضان تتواكب مع الاحتفال بذكر تأسيس جامعة الأزهر حيث تم افتتاح كليات أصول الدين والشريعة والقانون واللغة العربية في مثل هذا اليوم التاسع والعشرين من مارس سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة وألف من الميلاد عندما افتتجها الملك فؤاد الأول بحضور شيخ الأزهر الشيخ الأحمدي الظواهري ، وشيوخ الكليات الثلاث ، الشيخ إبراهيم حُمْروش أول شيخ لكلية اللغة العربية ، والشيخ محمد مأمون الشناوي أول شيخ لكلية الشريعة ، والشيخ عبد المجيد اللبان أول شيخ لكلية أصول الدين، مشيرا إلى أن هذا التوافق في الاحتفال بذكرى تأسيس الجامع الأزهر والجامعة الأزهرية في هذا اليوم من النوادر التي حدثت في تاريخنا المعاصر حفظ الله الأزهر الشريف وجعله شامخا عزيزا.

زر الذهاب إلى الأعلى