{ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ…. }

بقلم فضيلة الشيخ عبدالرحمن اللاوي
الأمين العام للمنظمة العالمية لخريجي الأزهر بسوهاج.

ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على الطاعة والاستجابة لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عملا بقوله تعالى : يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (لأنفال:24)

يقول بعض العلماء : ففي الاستجابة حياة القلوب وحياة الأرواح وعلى حسب الاستجابة تكمل تلك الحياة كما أن القلب الحي هو الذي يستجيب لأمر الله وأما من مات قلبه فلا استجابة عنده (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (الأنعام:36)، وقال تعالى: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) (النمل:80).

فضرب الصحابة أروع الأمثلة في الاستجابة وحسن الطاعة لله والرسول صلى الله عليه وسلم

جاء في الصحيح: أن أبا طلحة كان أكثر الأنصار بالمدينة مالا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}. قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تعالى يقول في كتابه: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}. وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال: (بخ، ذلك مال رائح، ذلك مال رائح، قد سمعت ما قلت فيها، وأرى أن تجعلها في الأقربين). قال:أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.

وعن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة..فإذا مناد ينادي قال فاخرج فانظر فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت فجرت في سكك المدينة. فقال لي أبو طلحة: اخرج فاهرقها فهرقتها. البخاري ومسلم

وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت (يدنين عليهن من جلابيبهن) خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية.، أي أنهن غطين رؤوسهن ووجوههن طاعة لله ورسوله.صحيح سنن أبي داود

وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال : لمَّا استوى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يومَ الجمعةِ قالَ: اجلسوا. فسمعَ ذلِكَ ابنُ مسعودٍ فجلسَ على بابِ المسجدِ فرآهُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقالَ: تعالَ يا عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ . سنن أبي داوود

وعن ابن عباس رضي الله عنهما :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد رجل. فنزعه فطرحه وقال: “يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده” فقيل للرجل، بعدما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ خاتمك انتفع به. قال: لا والله! لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم

بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ربى أصحابه أن يستجيب بعضهم لبعض ما دام الأمر ما يدعو إلى الإيمان والصلاح فكان صلى الله عليه وسلم يقول لهم من بين ما يقول إذا قاموا إلى الصلاة في صفوفهم : لِينُوا بأيدي إخوانِكم”، أي: لِينوا بيَدِ مَنْ أراد أنْ يَضْبِطَ بكُم الصَّفَّ ويُسوِّيَه، فلا يتَشدَّدْ معه أو يَمْنعْه أَحَدٌ نَفْسَه أنْ يُسوِّيَ له الصَّفَّ.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه ، قال: كان عبد الله بن رواحة إذا لقي الرجل من أصحابه، يقول: تعال نؤمن بربنا ساعة، فقال ذات يوم لرجل، فغضب الرجل، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” يرحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة ” مصنف أبي شيبة.

ويذكر الإمام القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى:
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ) أن الإمام مالك – رحمه الله – دخل المسجد بعد صلاة العصر ، وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر ، فجلس ولم يركع ، فقال له صبي : يا شيخ قم فاركع . فقام فركع ولم يحاجه بما يراه مذهبا ، فقيل له في ذلك ، فقال : خشيت أن أكون من الذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون.

-يقول بعض العلماء : الحقيقة أن الفارق بين جيل الصحابة وبيننا هو كمال التصديق الذي يورث سرعة الاستجابة دون أدنى تقاعس أو تردد .

زر الذهاب إلى الأعلى