فضائل شهر رمضان
بقلم د. بكر طلعت بكر سعد ـ مدرس أصول اللغة في كلية اللغة العربية بجرجا ـ جامعة الأزهر
الحمد لله الذي شرع لنا شرائع الدين القويم، وأيدنا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وخصها بالتعظيم، وجعل الصيام من أجلِّ القُرَبِ وأكرمِ الأعمالِ، وفيه صياغةٌ جديدةٌ للمؤمنِ على أوْفى مثال، فتح فيه أبواب الجنة، وجعل صيامه وقاية من النار وجُنَّة. وبعد،،،،
في كل عامٍ يتهيأ المسلمون في جميع أنحاء الأرض إلى استقبال شهر رمضان بكلّ ما فيه من روعة وجمال بشتّى الوسائل والطرق ، فهم يبتهجون لقدوم هذا الشهر العظيم، ويفرحون بالعيش في ظلاله؛ لأنه يعدُّ زينة الشهور جميعها ، بل إنه أفضل الشهور على الإطلاق، حيث سمّى بشهرِ القرآن؛ ففيه أُنزِل على رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وكان صلى الله عليه وسلم يتدارسه مع جبريل عليه السلام في ليالي رمضان المباركة، وأُطلق عليه أيضًا شهر القيام، لأنّ هذه العبادة تكثُر فيه، فنجد حرصًا كبيرًا من المسلمين على الحفاظ على قيام كلِّ ليلة في رمضان، رجاءَ كسبِ الأجر العظيم، كما نجدهم يتسابقون على الإكثار من الطاعات، والإقبال على الله عزّ وجلّ بقلوبٍ مُخبتة، ليُكرمهم الله سبحانه وتعالى بالعتق من النيران، وذلك في كلِّ ليلة من لياليه.
وقد خصّ الله سبحانه وتعالى هذا الشهر بمزايا عديدة، وجعل الأجور فيه مضاعفة، وقذف حبّه في قلوب العباد، فجعل صيامه سببا لمغفرة الذنوب فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول “الصلواتُ الخمسُ ، والجمعةُ إلى الجمعةِ ، ورمضانُ إلى رمضانَ ، مكفِّراتُ ما بينهنَّ إذا اجتَنَبَ الكبائر” وعنه أيضًا أن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ، كما أنه في أول ليلة منه تفتح فيها أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران وتصفد الشياطين: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن ، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب ، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ، وينادى مناد كل ليلة : يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة ” وعنه أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” أتاكم شهر رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنة ،وتغلق فيه أبواب الجحيم ، وتغل فيه مردة الشياطين ، وفيه ليلة خير من ألف شهر من حُرم خيرها فقد حُرم”
وفيه صلاة التراويح (القيام) حيث أجمع المسلمون على سنية قيام ليالي رمضان ، فقد ذكر النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح يعني أنه يحصل المقصود من القيام بصلاة التراويح. فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” من قام رمضان إيمانا واحتسابا ، غفر له ما تقدم من ذنبه” وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر:قال تعالى : ” إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ” قال الإمام القرطبى رحمه الله قوله تعالى : {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}: بين فضلها وعظمها، وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل. وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر. وفي الحديث: ” وفيه ليلة خير من ألف شهر من حُرم خيرها فقد حُرم “وفيه الاعتكاف :فعن عائشة رضي الله عنها ، – زوج النبي صلى الله عليه وسلم – : ” أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده” وفي هذا دليل على أن الاعتكاف سنة واظب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه من بعده 0 كما أنه شهر استجابة الدعاء من الله سبحانه وتعالى لعباده، قال تعالى عقب آيات الصيام: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} فهو يعد من الأوقات الفاضلة التي ينبغي على المسلم أن يستثمرها، ويكثر فيها من الدعاء، كما أنه ينبغي الإكثار من العبادات والطاعات في هذا الشهر المبارك كالصلاة على وقتها، والحرص على أدائها جماعةً، والإكثار من قراءة القرآن الكريم، وتدبّره، وتفطير الصائمين، وهي عبادة عظيمة، يؤجر عليها صاحبها بمثل أجر الصائمين دون أن يُنقَص من أجرهم شيئًا، وتقديم الصدقات للفقراء والمساكين، فهم أحوج ما يكونوا لذلك في رمضان، ففي ذلك من الأجر العظيم، فعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة غرفا يُرى ظهورها من بطونها، و بطونها من ظهورها قالوا: لمن هي يا رسول الله ؟ قال: لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام) وهذه الخصال كلها تكون في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام والصدقة وطيب الكلام، فتقربه وتوصله إلى الله عز وجل، قال بعض السلف: (الصلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق، والصيام يوصله إلى باب الملك، والصدقة جُنة أحدكم من النار كجُنته من القتال)
هذا والله أعلم…..