الصيام وأثره في تغيير السلوك
بقلم ـ الأستاذ الدكتور جمال عبد الوهاب الهلفي ـ عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بدسوق
كرم الله آدم فخلقه بيده ، وأسكنه جنته ، وفضل بنيه وذريته على كثير ممن خلق قال تعالى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } سورة الإسراء الآية 70
حتى لما أخرج من الجنة بفعله جعل الله له سبباً يصله به ، ويعيده إليها وأداة لمناجاته وهي العبادة .
فالعبادات صلة بين الخالق والمخلوق والعابد والمعبود تنير طريق ابن آدم، وتقوم سلوكه، وتجدد العهد مع ربه.
العبادات دائماً تحمل الإنسان على التغيير ، فكلما بَعُدَ بمُلهِيات النفس وشهواتِها ، وَجَرَفَهُ تيار الهوى إلى مستنقع الرذائل ومَسكنُ الشياطين ، مدت له العبادةُ حبلَ النجاةِ ؛ لتصله بنور الحقِ وبصيرةِ اليقينِ .
العبادات ليست مظاهر جوفاء ولا حركات صماء، ولا موروثات خاوية المعاني ، بل لها غايات على الإنسان العاقل المتدبر أن يدركها ، شكلية العبادة لا تحقق رضا الله عز وجل دون غايتها قال تعالى: ( لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ) سورة الحج الآية 37.
ويقول الحق تبارك وتعالى 🙁 وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ)سورة العنكبوت الآية 45.
فقد جعل الله جل في علاه للصلاة هدفاً إذا لم يحققه الإنسان منها فلا فائدة من شكلية حركاتها ، ولذلك يقول مبعوث العناية الإلهية r : « مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ بِهَا مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا ».
وفرضت عبادة الصوم لتحقق في الإنسان التقوي وهي مجمع الخيرات ومنبع المسرات للإنسان في الدنيا والآخرة يقول الله تبارك وتعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) سورة البقرة الآية 183، .
فإن لم يحقق المسلم بالصوم التقوى ؛ فقد أخل بالغرض الذي شرعت العبادة من أجله ، وإن حبس نفسه عن الطعام والشراب وشارك الناس ظاهر الصوم وشكلية العبادة ، وفي ذلك يقول النبي r: “رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ” ، ويقول r أيضاً : “مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْجَهْلَ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَا حَاجَةَ لِلَّهِ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ” .
فعلى المسلم أن يتبع منهج الصيام في ظاهره وباطنه ، في حقيقته وغايته ، وحين نفكر في تحقيق الغاية من العبادة وتحقيق جوهرها؛ نجد أن الدافع الذاتي والحرص النفسي على الشعور بها هو الذي يجعل هذه العبادات وتلك الشعائر ليست مظاهر شكلية ؛ بل أداءً حياً يسري في حياة المسلم اليومية كما يسري في ضميره و روحه و عقله ووجدانه ، فيصقله و يسمو بخلقه عن المعصية والانجراف إليها .
فإذا كان في عبادة الصوم تغيير العادات حيث تقييد الأكل والشرب بمنعه نهاراً من طلوع الفجر إلى غروب الشمس تعبداً لله فهذا هو الجانب الشكلي للعبادة لا يقتصر عليه المؤمن بل لابد أن يتخطاه لغاية أعظم ، وحاجة أكبر ألا وهي التغيير في خلقه وفعله .
واختص الله شهر رمضان بالصوم وتغيير العادات لأنه شهر اتصال الخالق بالمخلوق ، والعابد بالمعبود حيث تنزلت فيه الكتب السماوية لهداية الناس فيه فقد جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، ونزلت التوراة لست ليال خلون من رمضان، والزبور لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان، والإنجيل نزل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، والقرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان .
ولذلك اختص الله هذا الشهر بأحب الأعمال إليه وهي تنزيل الكتب لهداية أعز المخلوقات عليه ؛ فاختصهم فيه بأقرب العبادات إليه ؛ وأخلص الطاعات له ، وأعلى الأجور لديه .
ولذلك جاء في الحديث القدسي : قَالَ رَبُّكُمْ تَعَالَى : الصَّوْمُ جُنَّةٌ يَجْتَنُّ بِهَا عَبْدِي مِنَ النَّارِ ، وَالصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَخُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ .
فإن قيل: كل العبادات لله تعالى فما معنى إضافة الصوم لله تبارك وتعالى ؟
أجيب: بأنه لم يعبد بالصيام غير الله عز وجل إذ لم يعظم المشركون معبودهم في وقت من الأوقات بالصيام له.
وقيل : لأنه عمل سري لا يدخله الرياء .
وقيل : بأن الغرض بيان كثرة الثواب إذ عظمة المُعطِى دليل على عظمة العطاء.
فالصيام عبادة ربانية خالصة لله تبارك اختص الله الصائم فيها بمزيد الأجر كما جاء في شعب الإيمان عن عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْعُمَرِيُّ، أَنَّ زَيْدًا حَدَّثَهُ، قَالَ: لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ r قَالَ: ” الْأَعْمَالُ عِنْدَ اللهِ سَبْعٌ: فَعَمَلٌ بِمِثْلِهِ، وَعَمَلٌ بِمِثْلَيِهِ، وَعَمَلٌ بِعَشَرَةَ، وَعَمَلٌ بِسَبْعِ مِائَةٍ، وَعَمَلٌ مُوجِبٌ، وَعَمَلٌ مُوجِبٌ وَعَمَلٌ لَا يَعْلَمُ ثَوَابَ عَامِلِهِ إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَمَّا الْعَمَلُ الَّذِي بِمِثْلِهِ فَالرَّجُلُ يَعْمَلُ سَيِّئَةً فَتُكْتَبُ وَاحِدَةً، وَالرَّجُلُ يَهُمُّ بِحَسَنَةٍ فَلَا يَعْمَلُهَا فَتُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةً، وَرَجُلٌ يَعْمَلُ حَسَنَةً فَتُكْتَبُ لَهُ عَشْرًا، وَرَجُلٌ يَعْمَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ يُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِسَبْعِمِائَةٍ، وَالْعَمَلُ الْمُوجِبُ مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُعْبَدُ إِلَّا هُوَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَالْعَمَلُ الْمُوجِبُ مَنْ لَقِيَ اللهَ يُعْبَدُ غَيْرَهُ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، وَالْعَمَلُ الَّذِي لَا يَعْلَمُ ثَوَابَ عَامِلِهِ إِلَّا اللهُ الصِّيَامُ “
وجاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ: “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ: إِلَّا الصِّيَامَ فَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ
ولعل حكمة هذا التخصيص أن الصائم لما ترك محبوبات النفس التي جبلت فآثر عليها طاعة ربه ، وتركها حباً وعشقاً في حال لا يطلع عليه سواه ، وصارت محبته لله مقدمة وقاهرة لكل محبة نفسية ، وطلب رضا ربه وثوابه مقدماً على تحصيل الأغراض الجسدية . فلهذا اختص الله تقدير أجره لنفسه ، وجعل قدر ثوابه مقدرا في علم الغيب عنده. فما ظنك بأجر وجزاء تكفل به رب الأرض والسماء الرحمن الرحيم الكريم المنان، الذي عمت مواهبه جميع الموجودات، ؟ وما ظنك أن يفعل الله بهؤلاء الصائمين المخلصين؟
وهنا يقف القلم عن الحصر والتسطير، ويعجز العقل عن التخمين والتقدير ، والحقيقة المعروفة للجميع أننا أمام أجر ممدود غير محدود ، متوال غير معدود { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ } سورة الزمر الآية 10.
ومن أول مظاهر هذا الجزاء أن خصص الله في الجنة باباً لهم دون سواهم يدخلون منه كما جاء في صحيح البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ .
فإذا استجاب الإنسان ومنع نفسه مشتهاها متشبهاً في ذلك بملائكة ربه ذلك الخلق النوراني المجبول على الطاعة والعبادة فلابد وأن يتأثر أيضاً بأخلاقهم ولذلك يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَصخَب ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ” أي أنا شبيه الملائكة فلا أبيح لنفسي أن ترد بأفعال الشياطين من الرد بفحش القول وسوء الفعل .
من أجل ذلك على الإنسان أن يجعل من رمضان فرصة للتغير من سوء الخلق إلى أحسنه ، ومن فحش القول إلى أطيبه ، ومن مخاصمة الجار إلى رضاه ومخاطبة وده ، ومن قطيعة الرحم إلى وصلها ، ومن إيذاء الناس إلى نفعهم ، ومن الحرام إلي الحلال .
وإبدال التناحر بالتراحم ، والتقاتل بالتوادد ، كما أنه يعد فرصة لكل حبيس عادة سيئة محرمة كالسجائر وغيرها من المفترات والمخدرات أن يعتق نفسه منها ، وأن يفك رقبته من سجنها ، فيجعل من رمضان فرصة حقيقية للتغيير حيث استطاع التخلص منها شهراً كاملاً نهاراً وبقي عليه الليل ساعة فساعة حتى يفتك عنها ويتخلص منها وبهذا يعيش الجميع تحت راية يجمعها الود وتكسوها المحبة ، ساعتها يستحق الإنسان العتق من النار كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ جعلنا الله وإياكم من عتقاء شهر رمضان من النار …. اللهم آمين .