مجلة نور في بحث علمي..”استخدام التاريخ لحماية الأطفال من الأيديولوجيات المتطرفة “.. نموذج مجلة نور”
بقلم فضيلة د.أحمد أحمد زارع – رئيس قسم الإعلام بكلية الدراسات العليا والمتحدث الرسمي لجامعة الأزهر
ولدت مجلة نور بناء على توصية في مؤتمر، حول كيفية حماية الأطفال من الأفكار المتشددة، ونتيجة لذلك وجه فضيلة الإمام الأكبر أ. د/ أحمد الطيب، بتكوين ثقافة للطفل من خلال مجلات للأطفال وبرامج كارتونية، فكانت مجلة نور ضمن هذه الخطوات، حيث صدرت عن المنظمة العالمية لخريجي الأزهر لتكون أول مجلة مصورة للأطفال.
وكان استخدام المجلة للتاريخ لحماية الأطفال من الأيديولوجيات المتطرفة موضوع بحث علمي نشرته مجلة Historical Encounters التي تصدر عن جامعة “نيو كاسل – استراليا” في عددها الصادر في السادس من أغسطس ٢٠٢٣م العدد العاشر الإصدار الأول.
وقام بإجراء هذا البحث الباحثان د/ نفيسة صلاح الدين محمود، المدرس بقسم الإعلام – كلية الدراسات العليا للطفولة – جامعة عين شمس. وروبرت ثورب – أستاذ مساعد علم تعليم التاريخ في جامعة أوسالا بالسويد. حيث انصب البحث على تحليل الوقائع التاريخية التي تم تقديمها في مجلة نور، فيما يتعلق بكيفية تعزيز التاريخ للرفاهية الاجتماعية، حيث تنوعت موضوعات المجلة التاريخية ما بين التاريخ المصري القديم إلى التاريخ الحديث والتاريخ العربي والإسلامي وتاريخ العالم أيضا.
واستند هذا البحث إلى مفهومان أساسيان هما: مفهوم استخدام التاريخ، ومفهوم الوعي التاريخي. ففيما يتعلق بمفهوم استخدام التاريخ فمن خلاله يتم توصيف وتحليل كيفية استخدام المجلة للتاريخ وما يمكن تسميته بالاستخدامات الغائية للتاريخ، حيث تم التركيز على الاستخدامات السياسية والتربوية والفكرية والأخلاقية للتاريخ حيث يقدم للأطفال أمثلة إيجابية وبناءة من الماضي التاريخي لخدمة القضايا المعاصرة.
أما مفهوم الوعي التاريخي وهو ما يمكن تسميته بالاستخدامات السردية للتاريخ، وما يمكن من فهم كيفية تفاعلنا أحداث التاريخ من منظور معرفي، حيث يتم دعوة الأطفال للتعرف على الحقائق التاريخية بدلا من تقييمها أو مع التفاعل مع الروايات التاريخية التي يتم تقديمها لهم، وبالتالي تنمية ثقافة تاريخية شاملة.
ومن هذا المنطلق قام الباحثان بتحليل المحتوى التاريخي في مجلة “نور” من خلال ثلاثة أبعاد: الأول: يتعلق بجوانب الثقافة التاريخية في المواد التي تمت دراستها.
الثاني: عن أنواع استخدامات التاريخ التي يتم تطبيقها عند تمثيل التاريخ سواء كانت سردية أو غائية.
الثالث: عن كيفية هذه الروايات “نظريا” في تحضير الوعي التاريخي من القراء لمجلة نور.
وانصبت الدراسة التحليلية على ما مجموعه ٢٦ عددا من المجلة في ٢٠٢١م، وتم تصنيفها استقرائيا وفقا لوجهة النظر “الجيوسياسية” التي تتعلق فقط بمصر مثل: الحضارة الفرعونية، أو لها امتداد عربي وإسلامي ولكن يتم تقديمها من منظور مصري حصري على أنها مصرية، ثم ترميز المحتوى الذي يقدم تاريخا عربيا وإسلاميا مشتركا مثل سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم- وعلماء الحضارة الإسلامية على أنها عربية وإسلامية، ثم ترميز
المحتوى الذي يقدم تاريخا يتشارك فيه الناس حول العالم مثل نماذج من الشخصيات الناجحة والرائدة في العمل الأدبي أو الاجتماعي والخيري على أنها عالمية، ثم تصنيف المحتوى التاريخي وفقا للموضوعات التي تناولتها.
المحتوى التاريخي المقدم في مجلة نور:
أشارت نتائج البحث إلى أن المحتوى التاريخي في مجلة نور تمثل في الآتي:
أولا: التاريخ المصري: المحتوى الذي تم ترميزه على أنه تاريخ عسكري يركز جميعه على التاريخ المصري الحديث في فترتين زمنيتين: من ١٩٦٧ إلى ١٩٨٢ ومن ٢٠١١ إلى الوقت الحاضر. في فصل بعنوان “أفضل جنود العالم” تركز السرد على الفترة من حرب 1967 حتى استعادة سيناء ١٩٨٢م. وفي الفترة من ٢٠١١ إلى اليوم انصب التركيز بالكامل على كيفية مواجهة الجيش المصري للمتطرفين في سيناء بعد الثورة المصرية عام ۲۰۱۱م. تبدأ القصة بهجوم إرهابي على قوات الجيش في سيناء في عام ٢٠١٥م وكيف تمكن الجنود المصريون من هزيمة المتطرفين. هناك تركيز على القادة والمجندين الشباب في الجيش المصري كأبطال وشهداء مع ذكر أفعالهم البطولية أو استشهادهم في الدفاع عن وطنهم. مثال آخر يظهر كيف تم استخدام التاريخ العسكري في مجلة نور لتشجيع الشعور بالوطنية والوحدة بين المصريين من جميع الأديان فقصة صبي يدعى “عمرو” يريد الذهاب إلى الكنيسة لمساعدة أصدقائه بعد هجوم إرهابي عليها. يرفض والده مساعدته لأصدقائه المسيحيين، فيرد الصبي: أذكرك يا أبي بزميلك في حرب أكتوبر “بطرس”، الذي ضحى بنفسه من أجل عبور خط بارليف في الحرب، وأن الذي جاء بفكرة هدم خط بارليف كان المسيحي “باكي زكي يوسف” لم يتركونا ويقولوا إن مصر هي وطن المسلمين، لذا بإذنك سأغادر حتى لا أتأخر. وهنا أيضا يتم تقديم صورة للجيش المصري كحامي الوطن الذي يدافع عن الجميع بغض النظر عن دينهم.
وفي تاريخ الحضارة الفرعونية القديمة، بعنوان “أم الدنيا” تتكشف قصة تقدم حضارات مصر القديمة العظيمة، نتعلم أن أول طبيب أسنان وأول مهندس معماري في التاريخ وأول قناة مائية تم بناؤها وأول جيش نظامي في العالم كانوا في مصر. وأن قدماء المصريين اخترعوا ورق البردى والتقويم الشمسي وكانت مصر أول دولة في العالم لها جهاز حكومي منظم. حيث يهدف هذا السرد إلى إبراز إنجازات ومكانة الحضارة المصرية القديمة في تاريخ العالم كما يهدف إلى إلهام القراء للبحث عن المزيد من هذه الحضارة وأمثلة أخرى تمثلت في صور لمواقع التراث الثقافي في مصر من مختلف الفترات التاريخية مثل مسجد السلطان حسن، المتحف القبطي، الكنيسة المعلقة، متحف الفن الإسلامي، وغيرها كما تضمنت الإصدارات 16 – 19 من المجلة سلسلة بعنوان “الأزهر يروي” والذي تناول تاريخ الأزهر بترتيب زمني بدءا من دخول الفاطميين مصر عام 969م.
كما يركز المحتوى على ما يطلق عليه أنه التاريخ الاجتماعي على تاريخ العادات المصرية في الاحتفال بمناسبات مختلفة مثل فوانيس رمضان والاحتفال بالأعياد الوطنية والدينية، ويشمل هذا المحتوى أيضا تاريخ الشخصيات الوطنية البارزة مثل “أحمد زويل”، و”الامام/ محمد عبده” و”مصطفى مشرفه”.
ثانيا : التاريخ العربي والإسلامي:
حيث كان هناك مزيج بين التاريخ العربي والإسلامي في جميع أعداد مجلة نور تمثلت في أربعة موضوعات رئيسة في هذا المحتوى: الأول عن تاريخ العلماء الذين أثروا في الحضارة الإنسانية، مثل ابن الهيثم وابن النفيس وغيرهما. والثاني كان للتاريخ السياسي مثل القصة المصورة “شبح الساعة” التي تجادل لصالح قوة الحكام العرب التاريخيين مقابل حكام الغرب وكيف نشأت هذه القوة من التطور العلمي للعرب وموضوعات أخرى عن انتشار الإسلام ومعاملة غير المسلمين في العالم الإسلامي وتمثل الثالث في التاريخ الديني مثل سيرة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم- وقصص من القرآن الكريم وتمثل المحتوى الرابع في التاريخ العام للحياة الاجتماعية للعرب.
ثالثا التاريخ العالمي:
حيث خصص له أقل مساحة في مجلة نور وركز على الشخصيات الدولية وإنجازاتهم وكيف نجحوا وأثروا في الإنسانية مثل “توماس أديسون” ورسام الكاريكاتير “وولت ديزني”، وغيرهما وكذلك أحداث تاريخية دولية وتقاليد مثل قصة الماراثون وتاريخ الألعاب الأولمبية والاحتفال برأس السنة الجديدة.
ويلاحظ أن استعمالات التاريخ الغائية تمثلت في مجلة نور في الاستخدامات السياسية والتربوية والأخلاقية والأيديولوجية للتاريخ على إظهار أمثلة إيجابية لتحفيز القراء على العمل والبحث عن المعرفة على سبيل المثال أقسام “نور وبوابة التاريخ” و”الأزهر يروي” لتذكيرهم أنهم من نسل علماء مسلمين أضاءوا العالم وأنهم من نسل الذين بنوا مسجد الأزهر وحفظوا ثقافة الإسلام وعلوم المسلمين.
كما يلاحظ أن الاستعمالات السردية للتاريخ “الوعي التاريخي” استخدمت في مجلة نور بشكل أساس للسرد التقليدي مما يؤدي إلى خلط بين التاريخ والماضي فمن أمثلة الاستخدامات النقدية التي استندت للتاريخ المفاهيم الخاطئة التي يروجها الإرهابيون والمتطرفون وتأخذ شكل حوارات تاريخية بين التفسيرات المعتدلة والمتطرفة للإسلام حول قضايا مثل عودة الخلافة الإسلامية وتفجير كنيسة بطرسية عام ٢٠١٦م، تفجير مسجد الروضة في بير العبد في سيناء وغيرها من الأعمال المتعلقة بداعش. حيث يتم تقديم الأفراد الذين يؤمنون بالتفسيرات المتطرفة للإسلام على أنهم أصحاب أفكار خاطئة لأنهم لم يتعلموا الدين على يد المتخصصين ويفسرون القرآن والسنة وفقا لأهوائهم.
وفي الختام نؤكد أن المحتوى التاريخي لمجلة نور يعكس إلى حد كبير الثقافة والسياق السياسي خلال فترة نشرها حيث تم استخدام المثال التاريخي لتعزيز الفخر والشعور بالانتماء إلى الأمة بأكملها وتعزيز التسامح والتعايش في المجتمع المصري ومواجهة استخدامات المتطرفين للتاريخ وتعزيز الصورة المعتدلة للإسلام وأهمية العلم كطريق وحيد للتقدم والارتقاء.
كما يمكننا أن نرى أن مجلة نور تستخدم ما يمكن أن نسميه النمذجة الإيجابية من خلال استخدام التاريخ في تقديم نماذج إيجابية باستمرار للتسامح والتعايش بين المسلمين والمسيحيين في مصر عبر التاريخ ودحض الحجج التاريخية التي يعتمد عليها المتطرفون لتبرير التعصب الديني.
مما يؤكد أن مجلة نور تهدف إلى تقديم نموذج جديد لوسائل إعلام للأطفال مع التركيز بشكل كبير على التاريخ الذي يرتبط بالقضايا المعاصرة وهو أمر غير معتاد في وسائل الإعلام العربية الموجهة للأطفال.
كما يمكن القول إن الاستراتيجيات المستخدمة في المجلة قد تبنى وعيًا بالتاريخ يرتبط بالمجتمع المعاصر.