المنتحر ظالم أم مظلوم؟!
كتبت- نيرة جمال:-
حين يفقد بعض ضعاف النفوس آمالهم وأمنياتهم بلجأون للإنتحار كوسيلة لإنهاء الألم النفسي الذى يمرون به، فينهون حياتهم بطرق مختلفة، فالبعض يتناول مواد سامة كحبوب الغلال وسم الفئران، وآخرين يلقون بأنفسهم من مرتفعات كالأبراج والشقق السكنية، والكثير يلقون بأنفسهم أمام القطارات ومترو الأنفاق.. سيناريو يكاد يتكرر يوميًا، ولكل منتحر رواية تختلف عن الآخرين فبعضهم يتخلصون من حياتهم لأمراض نفسية، ومنهم من يرغب في الهروب من ضغوطات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وآخرين يدفعهم الإدمان للإنتحار، دون وعي منهم بإن الإنتحار لا يُعد نهاية للألم بل نهاية للأمل وحسن الظن بالله.
أكد د. سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية، أن مصر تُعد أقل الدول من حيث معدلات الإنتحار، ولكن المنتحر يحظى بتعاطف الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فعندما يرى ذلك شخصية مضطربة ويمر بأزمة نفسية يلجأ للإنتحار حتى يحظى بهذا الإهتمام والتعاطف، كما أن البعض يبحثون عن الشهرة ولديهم هوس بها فينتحرون لينالوا هذه الشهرة حتى وإن كانت حياتهم الثمن، لذلك ينبغي على وسائل الإعلام ألا تنشر صور المنتحرين ولا تتحدث عن مذكراتهم وتفاصيل إنتحارهم حتى لا يكون ذلك حافذًا لراغبي الإنتحار لتقليدهم.
أشار إلى أنه يجب على من يشعر برغبة في التخلص من حياته سرعة التوجه إلى الطبيب النفسي، حتى يُساعده على تخطى هذه الأزمة، كما يجب أن تشن وسائل الإعلام المختلفة حملة لتوضيح أهمية زيارة الطبيب النفسي عند الشعور بعد إتزان أو إكتئاب، وتوعية المجتمع بإن زائر الطبيب النفسي ليس بمختل عقليًا.. لافتًا إلى أهمية دور الأسرة في الحد من معدلات الإنتحار حيث أن التواصل الأسري يخفف عن الأشخاص الأعباء النفسية التى قد تدفعهم للإنتحار.
أوضحت د. ابتسام مرسي، مدرس علم الاجتماع بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، أن هناك أسباب كثيرة تدفع البعض للإنتحار أهمها غياب الوازع الديني الذى يجعل البعض يُصاب بإكتئاب بسبب فقدان الأمل والاعتقاد بأن الحياة لن تأتى بخير، وأن الأزمات ستتوالى وتتفاقم، فيشعرون بأن الإنتحار السبيل الوحيد للتخلص من هذه الضغوطات والآلام، كما أن الظروف الإقتصادية الصعبة وغياب دور الأسرة من الأسباب التى تدفع البعض للتخلص من حياتهم.. لافتة إلى أن بعض المنتحرين يلجأون لإنهاء حياتهم حتى يشعر من حولهم بالذنب وتأنيب الضمير، لذلك يجب على كل شخص أن يهتم بمن حوله ولا يتركهم عرضة للإكتئاب والعزلة.
أشار د. جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي، إلى أن الإنتحار في مصر لا يُعد ظاهرة كما يدعي البعض، حيث أن الظاهرة ينبغي أن يمارسها 25% من المجتمع على الأقل، ولكن في الآونة الأخيرة ازدادت معدلات الإنتحار إلى حد ما لذلك يجب أخذ الحذر ودراسة هذه الحالات للتوصل إلى الأسباب التى دفعت هؤلاء الشباب لإنهاء حياتهم بهذه الطرق البشعة.. موضحًا أن المنتحرين بسبب الأمراض النفسية كمرض ” الإكتئاب السودوى” عددهم قليل جدًا، حيث أن أغلب المنتحرين شباب تعرضوا لمواقف صعبة وأزمات لم يتحملوها فقرروا إنهاء حياتهم للتخلص من هذا الألم المؤقت الذى ينتهي بمرور الازمة.
أضاف أن هناك علامات تبين ميول الشخص الإنتحارية، منها الرغبة في العزلة والابتعاد عن المقربين منه، والاضطراب في النوم، وقلة تناول الطعام، وعدم الرغبة في القيام بإهتماماته السابقة، والتخلى عن طموحاته، وحزنه الدائم، لذلك يجب على من يرى هذه العلامات ظهرت على شخص مقرب له ألا يتركه وحيدًا ويدفعه لزيارة طبيب نفسي ليساعده على تخطى هذه الأزمة التى قد تُنهي حياته.. محذرًا من التهاون بهذه العلامات، أو الاعتقاد بأن هذا الشخص مسحورًا أو محسودًا فهذه الاعتقادات تزيد من الخطورة على المريض، وقد لا يدرك من حوله ذلك إلا بعد فوات الآوان.. لافتًا إلى أنه يجب الاهتمام باحتياجات الشباب والتواصل معهم بشكل دائم ومشاركتهم من قبل أسرهم وأساتذتهم في الجامعات ومُعلميهم في المدارس حتى يتم الحد من معدلات الإنتحار، كما ينبغي على رواد مواقع التواصل الاجتماعي عدم مشاركة أو نشر صور أو مقاطع فيديو للمنتحرين أثناء إنتحارهم لان ذلك يؤثر على المتلقين بشكل سلبي.
أضافت د. سعيدة أبو سوسو، أستاذ علم النفس بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، أن هناك أسباب كثيرة تدفع الشباب للإنتحار منها الإدمان، والأمراض النفسية المذمنة والإكتئاب، والصدمات النفسية، وغياب الوازع الديني، والضغوطات الإقتصادية، والبطالة، والأمراض الجسدية شديدة الألم، كما أن بعض الشباب يُحبون التقليد فيُقلدون المنتحرين تقليدًا أعمى بحثًا عن الشهرة، وهناك بعض المنتحرين هدفهم لفت الأنظار وتعاطف من حولهم معهم، وليس رغبة في الموت.. موضحة أنه يجب سن قوانين تضع قيودًا على تداول المواد التى تُستخدم في الإنتحار كالمواد السامة، بحيث لا يستخدمها إلا من يحتاجها فقط، ويصعُب على أصحاب الميول الإنتحارية استخدامها.
أكدت أنه يقع على عاتق الأسرة مسئولية كبيرة في تحصين أبنائها من الإنتحار، فيجب على كل أب وأم مراقبة أبنائهم ومعرفة أصدقائهم، ومناقشتهم في أمور حياتهم، ومشاركتهم في إهتماماتهم اليومية، حتى يكونوا أمام أعينهم دائمًا ويُلاحظون تغيراتهم النفسية، فإذا وجدت الأسرة أن الابن أصيب بإكتئاب أو حزن شديد يدفعوه لزيارة طبيب نفسي، حتى يتم حمايته من مخاطر الأمراض النفسية المزمنة التى قد تدفعه للإنتحار.
أوضح د. مختار مرزوق، عميد كلية أصول الدين بأسيوط، أن الإنتحار من الكبائر، فحياة الإنسان ليست ملكه فهى لله عز وجل، ولا يجوز للإنسان أن يستعجل الموت ويقوم بإزهاق روحه، قال تعالى:” وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا”، وقال النبي ﷺ: “من قتل نفسه بشيء عُذب به يوم القيامة” فالمنتحر يُعذب بنفس الطريقة التى انتحر بها فإن كان بالنار عُذب بالنار وإن كان بقطع الشرايين عُذب بذلك.. مشيرًا إلى أن المنتحر ليس بكافر كما يدعي البعض ولم يخرج عن الإسلام ولكنه افتعل كبيرة وإثمًا عظيمًا، فيُعد عاصيًا ولكن يدخل تحت مشيئة الله عز وجل إن شاء غفر له ورحمه وإن شاء عذبه بما فعله، ولا يجوز لأحد أن يحكم على غيرة، فلا يُجازى أحد العبد إلا الله عز وجل، ولا يعلم أحد مابين العبد وربه.. مضيفًا أنه يجب عدم تداول صور المنتحرين على مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال وسائل الإعلام المختلفة لما يتركه ذلك من أثارًا سلبية في نفوس المشاهدين والمتابعين.
أشار إلى أنه يجب على كل مسلم أن يعلم بأن الحياة ما هي إلا اختبار من الله عز وجل، فمن صبر على متاعبها ومشقتها وقابل الإبتلائات بالرضا والشكر نال الجنة وجزاه الله على ما تحمله، ومن جزع ولم يرضى بما قسمه الله عز وجل له لن يحظى بخير في الدنيا أو الآخرة، وليكن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس همًا وإبتلاءًا، ومع ذلك كان دائمًا مستبشرًا مبتسمًا شاكرًا لله على ما لديه.