“خواطر وأحاديث تحت راية القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة”.. إصدار لـ ”كبار العلماء“ بمعرض الكتاب 2026
تقدم هيئة كبار العلماء كتاب «خواطر وأحاديث تحت راية القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة» لفضيلة الشيخ أحمد حسن الباقوري، بوصفه نداءً فكريًّا وروحيًّا هادئًا، لا يتعمد الصخب ولا يطلب الجدل، وإنما يخاطب القلب والعقل معًا، داعيًا الإنسان إلى أن يعيد وصل ما انقطع بينه وبين منابع الهداية الأولى: كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.
ينطلق المؤلف من قناعة راسخة بأن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يقوم إلا على منهاج واضح مستمد من الوحي، وعلى قدوة صالحة تجسده في واقع الحياة. فالقرآن، في نظره، ليس نصًّا يُتلى فحسب، بل مشروع حياة، والسنة ليست روايات محفوظة، بل نموذج عملي يترجم القيم إلى سلوك. ومن هنا تتحدد أزمة الأمة حين تفصل بين المنهج والقدوة، أو ترفع الشعارات دون أن تجد لها صورة حية في الواقع.
ويمتد نظر الباقوري إلى التاريخ الإنساني، فيتأمل مسار الحضارة بين الشرق والغرب، لا بروح المفاضلة المتعصبة، بل بعين الناقد البصير؛ فيرى الشرق مهبط الرسالات ومخزن الروح والإيمان، ويرى الغرب وريث الحضارة المادية والصراع مع الواقع. غير أن الخلل لا يكمن في هذا التنوع، بل في اختلال الميزان حين تطغى الروح بلا عقل، أو تسود المادة بلا قيمة. ومن هذا الخلل نشأ سقوط الشرق حين جفَّت روحه وانقلب خياله إلى خرافة، كما نشأ مأزق الغرب حين تحولت حضارته إلى أرقام جامدة بلا إنسانية. ويشير المؤلف إلى أن الإنسانية أحوج ما تكون إلى حضارة جديدة تعيد التوازن، حضارة تحيي الروح دون أن تعطل العقل، وتستثمر العلم دون أن تفرغ الإنسان من معناه.
وفي حديثه عن المجتمع، يكشف الكتاب عن عمق النظرة القرآنية في إصلاح العلاقات الإنسانية، حيث لا يُترك الإنسان لعقله ودهائه ولسانه المنفلت، بل يُضبط بسياج أخلاقي يطهر المجتمع من آفات الغيبة والنميمة وسوء الظن. فالدين، في جوهره، ليس طقوسًا معزولة، بل قوة أخلاقية تحفظ التماسك الاجتماعي، وتمنح الإنسان القدرة على العيش مع غيره في سلام وعدل.
ويتوقف المؤلف طويلًا عند مسألة العقل في علاقته بالإيمان، فيؤكد أن العقل نعمة عظيمة، لكنه محدود بطبيعته، وأن الضلال يبدأ حين يتوهم الإنسان أن عقله قادر على الإحاطة المطلقة بالحقيقة الإلهية. فالإسلام لا يصادر العقل، ولا يطلقه بغير قيد، وإنما يهديه إلى أن يعمل في مجاله، ويستعين بالقلب والفطرة ليبلغ اليقين. ومن هذا التوازن يولد الإيمان الحي، الذي لا يقوم على الجدل العقيم، بل على النظر الهادئ في الكون، نظر يملأ النفس خشوعًا ويقودها إلى الله طمأنينة لا اضطرابًا.
ويظهر في الكتاب اهتمام خاص بالقيم العملية التي تحفظ توازن النفس والمجتمع، كالسلام الذي جعله الإسلام تحية وشعارًا، لا مجرد لفظ، وكالصبر الذي هو رياضة للنفس على احتمال المكاره، والصلاة التي تمد الصبر بروح السكينة والاتصال بالله. فالإيمان عند الباقوري ليس هروبًا من الواقع، بل قوة داخلية تعين الإنسان على مواجهته بثبات وأمل.
كما يتناول المؤلف قضية المال بوصفها امتحانًا أخلاقيًّا خطيرًا، إذ يتحول المال حين يُكنز ويُحتكر إلى أداة استعلاء واستعباد، تهدم المجتمع من داخله، وتزرع الأحقاد بين طبقاته. ويؤكد أن العدالة الاجتماعية ليست فكرة طارئة في الإسلام، بل أصل أصيل من أصوله، وأن المال لا تكتمل إنسانيته إلا حين يتحول إلى وسيلة للعطاء والتكافل.
وفي مجمل صفحاته، يقدم الكتاب رؤية متكاملة للإصلاح الإنساني، تقوم على تهذيب الفرد، وبناء المجتمع، واستعادة التوازن بين العقل والروح، وبين المادة والقيم. وهو في جوهره دعوة صادقة إلى أن يعود الإنسان إلى القرآن لا ليحفظه فقط، بل ليعيش في ظلاله، وأن يتخذ من السنة النبوية طريقًا عمليًا للإصلاح، حتى تستعيد الأمة قدرتها على الإسهام في بناء حضارة إنسانية رحيمة، عادلة، ومضيئة.