رحلة الأزهر في رمضان.. مأذنة الغوري تاج المآذن وشاهدة العصور 910هـ/1510م
في قلب القاهرة الفاطمية وحيث عبق التاريخ، تبرز مأذنة السلطان الأشرف قنصوه الغوري بالجامع الأزهر كشاهد عيان على عظمة العمارة المملوكية في أزهى عصورها، لتكون محطتنا اليوم ضمن سلسلة “رحلة الأزهر في رمضان”.
لم تكن مئذنة الغوري، التي أُنشئت عام 910هـ/1510م، مجرد برج للأذان، بل كانت ثورة في التصميم المعماري المملوكي، حيث تميزت هذه المأذنة بأنها “مزدوجة الرأس”، وهو نمط نادر يرمز للشموخ والتفرد، وكأنهما عينان ساهرتان تحرسان القاهرة، حيث ترتفع ببدنها المربع الضخم لتنتهي بجوسقين يرفرف فوقهما صوت الحق في كل صلاة.
تتزين المئذنة بنقوش هندسية دقيقة ووحدات من “القاشاني” الأزرق الذي يلمع تحت ضوء الشمس، ليعكس طابعاً جمالياً يسر الناظرين، فهي تُعد من أضخم مآذن الجامع الأزهر وأكثرها ارتفاعاً، مما يجعلها علامة بصرية فارقة تُرى من مسافات بعيدة في أزقة الدرب الأحمر والقاهرة الفاطمية، فهي تجسد تحدياً هندسياً وفنياً في ذلك الوقت، إضافةً إلى اهتمام السلاطين المماليك بالجامع الأزهر كمنارة للعلم والعبادة، وحرصهم على أن يظل دائماً في أبهى صورة.
كما تميزت المأذنة بوجود سلمين (درجين) منفصلين بين دورتيها الأولى والثانية، بحيث لا يرى الصاعد في أحدهما الآخر، وهي طريفة فنية نادرة في العمارة الإسلامية، ونظرًا لتفردها حيث أنها المأذنة الوحيدة الباقية على أصلها منذ الإنشاء، أصبحت رمزًا للأزهر الشريف.
و في رحاب رمضان، بينما يمتلئ صحن الجامع الأزهر بطلبة العلم والمصلين في صلاة التراويح، تقف مأذنة الغوري شامخة، تذكرنا بجذورنا العريقة، فمن فوقها انطلق أذان المغرب ليفطر عليه أهل المحروسة لقرون، وبأن هذا الصرح لم يكن يوماً مجرد جدران، بل هو تاريخ يُكتب ونورٌ يمتد.