الجامع الأزهر يواصل عقد ملتقاه «رياض الصائمين» ويناقش أهمية التكافل الاجتماعي في ظل الأزمات
الدكتور أحمد مظهر: الإسلام حرص من خلال التكافل على بناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة الأزمات والكوارث والتحديات
الشيخ عبد الله أسامة: التكافل الاجتماعي من القيم الأخلاقية العظيمة وهو ركيزة أساسية لوحدة المجتمع وتماسكه
واصل الجامع الأزهر عقد ملتقاه «رياض الصائمين» اليوم الخميس، بعنوان «التكافل الاجتماعي في ظل الأزمات»، حيث استضاف الملتقى الشيخ عبد الله أسامة، الواعظ بمجمع البحوث الإسلامية، والدكتور أحمد مظهر، عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين، بينما قدم وأدار اللقاء الشيخ محمد عبد الخالق الباحث بالجامع الأزهر، وذلك بحضور عدد من رواد الجامع الأزهر وطلابه، في إطار اللقاءات الدعوية والعلمية التي ينظمها الجامع الأزهر خلال شهر رمضان المبارك.
في مستهل الملتقى أكد الشيخ عبد الله أسامة أن التكافل الاجتماعي من القيم الأخلاقية العظيمة التي ميز الله بها أمة محمد ﷺ، وجعله ركيزة أساسية لوحدة المجتمع وتماسكه، مشيرًا إلى أن الإسلام رسخ هذه القيمة في نفوس المؤمنين من خلال توجيهات النبي ﷺ، الذي قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وقال أيضًا: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، موضحًا أن النبي ﷺ غرس روح الإيثار والتعاون بين الصحابة، فظهرت أروع صور التكافل في عقد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
وأوضح أن التكافل الذي دعا إليه الإسلام لا يقتصر على المسلمين وحدهم، بل يمتد ليشمل كل بني الإنسان، انطلاقًا من مبدأ تكريم الإنسان الذي قرره القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، مؤكدًا أن المجتمعات قد تمر بأزمات اقتصادية أو اجتماعية، لكن الذي يحفظ تماسكها ويقوي بنيانها هو انتشار روح الرحمة والتكافل بين أفرادها، فإذا شعر الغني بحاجة الفقير، والقوي بضعف المحتاج، ساد الأمن والطمأنينة، وتعززت روابط المجتمع واستقر بناؤه.
من جانبه أكد الدكتور أحمد مظهر أن الإسلام حرص على بناء مجتمع قوي ومتماسك قادر على مواجهة الأزمات والكوارث والتحديات، مشيرًا إلى أن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية زاخرة بالدعوة إلى التعاون والتكافل والتراحم بين الناس، وهو ما يظهر بوضوح في توجيهات الشرع التي تدعو إلى الإحسان إلى مختلف فئات المجتمع، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، موضحًا أن هذه التوجيهات تزداد أهمية عند نزول المصائب والأزمات، حيث يكون التعاون والتكافل أكثر ضرورة، ويعظم الأجر والثواب عند الله تعالى.
وأشار إلى أن النبي ﷺ رسخ هذه القيم من خلال توجيهاته العملية، فقال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة»، كما أكد ﷺ قيمة نفع الناس بقوله: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس»، مبينًا أن سيرة الصحابة رضي الله عنهم قدمت نماذج عملية رفيعة في التكافل والتضامن، ومن أبرزها إيثار الأنصار للمهاجرين، وبذل أبي بكر الصديق رضي الله عنه ماله في سبيل الله، وهي مواقف جسدت روح التراحم والتعاون التي دعا إليها الإسلام، وجعلها أساسًا في بناء المجتمع واستقراره.
يأتي ملتقى «رياض الصائمين» في إطار ترسيخ الدور الدعوي والتوعوي الذي يضطلع به الجامع الأزهر خلال شهر رمضان المبارك، حيث يحرص على تنظيم منظومة متكاملة من الدروس العلمية والملتقيات الفكرية والبرامج التربوية التي تستهدف تعميق الوعي بحقائق العبادات ومقاصدها، انطلاقًا من دوره التاريخي في نشر صحيح الدين، وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، وخدمة المجتمع.