خلال ملتقى الجامع الأزهر للقضايا المعاصرة.. نائب رئيس جامعة الأزهر للوجه القبلي: الاختلاف المنضبط ليس تناقضا بل مرونة شرعية تهدف إلى تحقيق العدل وصيانة المجتمع
عقد الجامع الأزهر اليوم الثلاثاء، اللقاء الأسبوعي لملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة، تحت عنوان: “الخلاف والاختلاف في الإسلام.. رؤية إسلامية”، وذلك بحضور كل من؛ فضيلة أ.د محمد عبد المالك، نائب رئيس جامعة الأزهر للوجه القبلي، وفضيلة أ.د/ شعبان عطية، أستاذ التفسير بكلية أصول الدين بـجامعة الأزهر بالقاهرة، وأدار الملتقى الإعلامي بهاء عبادة، المذيع بإذاعة القرآن الكريم.
في بداية الملتقى، أوضح فضيلة الدكتور محمد عبد المالك أن الاختلاف سنة كونية عامة لا تقتصر على عالم الإنسان وحده، بل تمتد إلى سائر المخلوقات؛ فالجبال تتنوع أشكالها وألوانها، والبحار تزخر بعوالم متعددة، وكذلك الكائنات الحية، فضلا عن الإنسان الذي يتجلى فيه هذا التنوع في الألسن والألوان، قال الحق تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾، وهذا الاختلاف هو تنوع محمود في خلق الله تعالى، وقد يكون الاختلاف سببا في توسيع المدارك وإثراء الفهم، خاصة إذا كان في إطار الاجتهاد الفقهي الذي يراعي مصالح الناس، كما في بعض المسائل الفقهية، مثل الجهر بالبسملة في الصلاة أو قراءة الفاتحة خلف الإمام، كما أن الاختلاف ما اتحد فيه القصد واختلفت فيه وسائل الوصول، وله مرجعية من الدليل، وهو رحمة وسعة بالناس، بخلاف الخلاف الذي يكون نزاعا تتباين فيه المقاصد وتغيب عنه المرجعية والدليل، ويؤدي الخلاف إلى الخصومة والشقاق في المجتمع.
وأضاف نائب رئيس جامعة الأزهر للوجه القبلي، أن للاجتهاد ضوابط ينبغي مراعاتها حتى يكون الاختلاف مشروعا ومحمودا، من أهمها أن يكون في مسائل الاجتهاد لا في الثوابت القطعية كأصول العقيدة، وأن يستند الاجتهاد إلى دليل شرعي لا إلى الأهواء أو التعصب، مع ضرورة الرجوع إلى الوحيين؛ كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ومن هذه الضوابط أيضا مراعاة المصلحة العامة للأفراد والمجتمع، مع التحلي بأدب الاختلاف، كالإخلاص في طلب الحق، واحترام الرأي الآخر، وعدم التسرع في التبديع أو التفسيق، وهذه الممارسات مرفوضة شرعا، وتؤدي إلى تفكك المجتمع بدلا من بنائه، كما أن الالتزام بهذه الآداب كفيل بترسيخ روح التعايش والتسامح، وتحقيق وحدة الصف.
وبين فضيلة الدكتور محمد عبد المالك، أن الفقه الإسلامي مليء بالنماذج المضيئة التي تراعي الموازنة بين الأحكام والمصالح، ومنها ما روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حين جاءه رجل يسأله عن توبة قاتل العمد، فأفتاه بعدم قبول التوبة، بينما أفتى آخر بقبولها، وفسر هذا الاختلاف بمراعاة حال السائل؛ فالأول كان قد وقع في القتل بالفعل، ففتح له باب الأمل في التوبة، أما الآخر فكان مقبلا على الفعل، فشدد عليه زجرا وردعا، وهذا الموقف يبرز فقه الواقع وفقه المآلات، حيث لا ينظر إلى الحكم بمعزل عن أثره ونتيجته، وهو دليل على أن الاختلاف المنضبط ليس تناقضا، بل هو مرونة شرعية تهدف إلى تحقيق العدل وصيانة المجتمع.
من جانبه، أكد فضيلة الدكتور شعبان عطية أن الاختلاف سنة إلهية في الخلق، قال تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾، ولو شاء المولى سبحانه وتعالى لجعل الناس على نمط واحد في التفكير والطباع، لكن حكمته اقتضت تنوعهم في القدرات والعادات والميول، بحيث قد يناسب أمر شخصا ما ولا يناسب آخر، ومن هنا جاء الشرع الحكيم شاملا ومستوعبا لهذا الاختلاف، كما ظهر في مواقف الصحابة رضي الله عنهم، حيث وقع بينهم اختلاف لا يفسد للود قضية، في حديث النبي ﷺ: “لا يُصَلِّيَنَّ أحدُكم العصرَ إلا في بني قريظة”، ففهم بعض الصحابة ظاهر النص فأخروا الصلاة حتى وصلوا، بينما فهم آخرون مقصده فصلوا في الطريق خشية خروج الوقت، فلما عرضوا الأمر على النبي ﷺ لم يعنف أحدا منهم، مما يدل على سعة النص الشرعي واعتباره لاختلاف الفهم، مشيرا إلى أن فهم النصوص يحتاج إلى إدراك مقاصد الشريعة وروحها، لا الوقوف عند ظاهر الألفاظ فقط، ويتجلى ذلك أيضا في اختلاف الفقهاء في بعض الأحكام، كقوله تعالى:﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، حيث اختلفوا في القدر الواجب مسحه، وكل ذلك من رحمة الله بعباده وتيسيره عليهم.
وأكد فضيلة الدكتور شعبان عطية أن الاختلاف المحمود هو ما كان هدفه الوصول إلى الحق، وهو مما حث عليه الإسلام وشجع عليه، أما إذا دخل الهوى وساد الجهل، فإن الحقيقة تضيع ويصبح الاختلاف سببا للنزاع والشقاق، كما أن العلم هو الأساس في ضبط مسار الاختلاف، إذ يجعل المتحاورين يسعون إلى الحق بروح من الإنصاف والتجرد، بخلاف الجهل الذي يقود إلى التعصب وإقصاء الآخر، محذرا من التنازع الذي نهى عنه المولى سبحانه وتعالى، لما يترتب عليه من ضعف المجتمعات وتمكين الأعداء منها، لذلك علينا ترسيخ ثقافة الحوار البناء، واحترام التخصص، والرجوع إلى أهل العلم، حتى يكون الاختلاف وسيلة للإثراء لا للهدم، وطريقا للوحدة لا للفرقة.