مرصد الأزهر: أزمة التعايش في القارة العجوز بين جسور الحوار وجدران التخوف.. قراءة في تصريحات البابا ليو الرابع عشر وردود الأفعال الأوروبية

نشر مرصد الأزهر عبر صفحته الرسمية على الفيس بوك أنه أثارت التصريحات الأخيرة للبابا ليو الرابع عشر خلال زيارته التاريخية إلى الجزائر موجة من النقاشات الحادة في الأوساط الأوروبية. فبينما سعى بابا الفاتيكان إلى مد جسور التواصل، اصطدمت رؤيته بواقع مشحون بالتوترات الاجتماعية والسياسية.

خلال زيارته، بعث البابا رسالة مفادها أن الدين لا ينبغي أن يكون سببًا للخلاف، بل أداة للاحترام المتبادل. واعتبر أن النموذج الجزائري، حيث تعيش الأقلية الكاثوليكية بانسجام مع الأغلبية المسلمة، يمثل دليلاً حيًا على إمكانية التعايش. وحث البابا المؤمنين في الغرب على أن يكونوا “أقل رهابًا” تجاه الإسلام.

وانتقد البابا ليو الرابع عشر حالة الانغلاق، مؤكدًا رفضه الفكرة القائلة بأن هجرة المسلمين تهدد الهوية المسيحية، معتبرًا أن التواصل الحقيقي هو السبيل الوحيد للسلام.

في المقابل، انتقدت بعض التيارات في أوروبا هذه التصريحات، مستندة إلى تحديات ميدانية يراها الكثيرون أبعد ما تكون عن المثالية التي طرحها البابا. وتتمثل هذه التحديات التي أشاروا إليها فيما يلي:

بروز أزمة الهوية والاندماج، حيث يرى المعارضون أن الهجرات الجماعية منذ عام 2015 أدت إلى نشوء “مجتمعات موازية” منغلقة، تصطدم بها القيم العلمانية الأوروبية بهياكل اجتماعية ودينية محافظة ترفض الاندماج.

المظاهر العامة وتعارضها القانون، إذ تشكل قضايا مثل الصلاة في الشوارع، والحجاب في المؤسسات الرسمية، وبناء المساجد في أحياء مسيحية تاريخية، نقاط احتكاك قانونية واجتماعية يومية.

كما أشار المنتقدون إلى أنه في الوقت الذي يدعو فيه البابا للوئام، يتعرض المسيحيون لاضطهاد في مناطق عدة في أفريقيا – على حد تعبيرهم-، مما يجعل دعوات التعايش تبدو “من طرف واحد” في نظرهم.

أشار مرصد الأزهر لمكافحة التطرف إلى أن الترويج لفكرة تمثيل وجود المسلمين تهديدًا للهوية المسيحية أو العلمانية لأوروبا هو محض افتراء تقتات عليه الجماعات اليمينية.  ويوضح المرصد أن تيارات اليمين تسعى جاهدة لتشويه أي محاولة للتقارب، عبر تضخيم المشكلات الفردية وتحويلها إلى “صراع أديان” شامل لخدمة أيديولوجية سياسية ضيقة ترى التعايش خيالاً لا مكان له على أرض الواقع. 

وأكد المرصد أن التاريخ والواقع يثبتان أن الاختلاف الديني لم يكن يومًا عائقًا أمام المواطنة، طالما توفرت قيم الاحترام المتبادل وسيادة القانون الذي يسري على الجميع دون تمييز. لهذا، يشدد مرصد الأزهر على أن الرد على التحديات الاجتماعية يكون بمزيد من الحوار والاندماج، وليس عبر شيطنة الآخر أو تبني خطاب انعزالي لا يخدم سوى المتطرفين من الجانبين. 

وأضاف المرصد أن العالم في ظل الأزمات الاجتماعية والسياسية الراهنة في أمس الحاجة إلى تطبيق مبادئ وثيقة “الإخوة الإنسانية” التي وقعها فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب والبابا فرنسيس عام 2019، لتعزيز ثقافة الحوار والتأكيد على أهمية دور الأديان في بناء السلام العالمي بعيدًا عن التعصب والعنصرية التي أصبحت تسيطر الخطاب المنتشر في الفضاء الرقمي.

زر الذهاب إلى الأعلى