ملتقى التفسير بالجامع الأزهر: “الغراب” من المخلوقات التي أودع الله تعالى فيها وظائف دقيقة تعكس حكمته البالغة في تدبير الكون

عقد الجامع الأزهر اليوم الأحد، ملتقى التفسير ووجوه الإعجاز القرآني الأسبوعي بعنوان “مظاهر الإعجاز في خلق الغراب” وذلك بحضور كل من: أ.د مصطفى براهيم، الأستاذ بكلية العلوم جامعة الأزهر، وأ.د شعبان عطية، أستاذ التفسير بجامعة الأزهر، ويدير الحوار الإعلامي رضا عبد السلام، رئيس إذاعة القرآن الكريم السابق.

في بداية الملتقى قال فضيلة الدكتور شعبان عطية إن جميع المخلوقات خلقها الله سبحانه وتعالى لحكم بالغة قد يدرك الإنسان بعضها بالبحث والعلم، وقد تغيب عنه أخرى، فإن أدركها وجب عليه الشكر، وإن جهلها فحسبه التسليم بحكمة الخالق جل وعلا، مؤكدا أن هذا المنظور الإيماني يرسخ لدى الإنسان احترام الكون والنظر إليه باعتباره منظومة متكاملة قائمة على التقدير الإلهي الدقيق، لا مجال فيها للعبث أو الصدفة، قال تعالى: “فبعث الله غرابًا”، بما يدل على أن اختيار هذا المخلوق تحديدا إنما جاء لما أودعه الله فيه من خصائص تؤهله لأداء هذه المهمة.

وأوضح فضيلة الدكتور شعبان عطية، أن النظرة القاصرة التي تصف بعض الكائنات بأنها “غير عاقلة” لا تنفي ما أودعه الله فيها من فطرة تهتدي بها لأداء أدوارها بدقة مدهشة، فهذه المخلوقات تستجيب لأمر خالقها وتتحرك وفق سننه، وهو ما يعكس جانبا من إعجاز القدرة الإلهية في تدبير الكون، مبينا أن القرآن الكريم أشار إلى مكانة هذه الكائنات ودورها، كما في قوله تعالى: “والطير محشورة كلٌّ له أوَّاب”، بما يؤكد أن لكل مخلوق وظيفة محددة وقيمة معتبرة في هذا الوجود، الأمر الذي يوجب على الإنسان عدم الاستخفاف بها أو التقليل من شأنها.

وأضاف الدكتور شعبان عطية أن قصة الغراب الواردة في قوله تعالى: “فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه” تكشف عن نموذج للتعليم العملي التطبيقي، حيث لم يكن فعل الغراب عشوائيا، بل جاء يحمل رسالة تعليمية، مشيرا إلى أن هذا النمط من التعليم القائم على المشاهدة والتجربة يعد من أنجح أساليب التعلم، وهو ما انعكس في تأثر ابن آدم، حين قال: “يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي”، بما يدل على أن الموقف أحدث لديه إدراكا دفعه إلى التعلم والمراجعة، وهو ما يبرز أهمية توظيف الأساليب التطبيقية في العملية التعليمية المعاصرة.

من جانبه، قال فضيلة الدكتور مصطفى إبراهيم إن الغراب يعد من الكائنات التي حباها الله بقدر من الذكاء، يفوق فيه إدراك كثير من الكائنات الأخرى، وتشير دراسات علمية إلى قدرة الغراب على حل المشكلات والتعلم بالملاحظة، موضحا أن ذكر الغراب في القرآن الكريم لم يأت عبثا، بل جاء حاملا دلالات عميقة، قال تعالى: “قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ”، بما يعكس أن كل مخلوق منح من الصفات والقدرات ما يؤهله لأداء دوره في هذا الكون على الوجه الأكمل، كما أن الغراب يتميز بقدرات سلوكية متقدمة؛ فهو قادر على تخزين الطعام وادخاره عند الحاجة عبر إخفائه في التربة، في سلوك يدل على التخطيط، كما يعرف عنه سلوك دفن موتاه، وهو من الصفات النادرة في عالم الطيور، كما يظهر أن أمة الغراب لها نظام اجتماعي خاص بها غير بقية الطيور والحيوانات.

وأضاف فضيلة الدكتور مصطفى إبراهيم أن الغراب يمتلك ذاكرة قوية تمكنه من تذكر الوجوه والمواقف لفترات طويلة، لذلك الدراسات الحديثة أثبتت قدرة الغراب على تذكر وجه الإنسان، وهو ما يساعده على التكيف مع بيئته، بالإضافة إلى النظام الاجتماعي لأمة الغراب يوجد بنيها مبدأ الثواب والعقاب، فيما بينها، مما يعكس درجة من الانضباط والسلوك لدى هذا المخلوق، كما أن للغراب دورا هام في حماية البيئة والحفاظ عليها، من خلال بالغ الأهمية، تغذيه على الجيف وبقايا الكائنات النافقة، الأمر الذي يحد من انتشار الأمراض ويحافظ على التوازن البيئي، وهذه الأدوار تؤكد أن هذا المخلوق، رغم ما قد يحيط به من تصورات سلبية، إنما يؤدي وظيفة حيوية ضمن منظومة الخلق، بما يدعو إلى إعادة النظر في نظرتنا لبعض الكائنات وتقدير أدوارها وفق ما قدره الله لها من حكمة بالغة.

زر الذهاب إلى الأعلى