د. رهام سلامة.. مدير مرصد الأزهر لـ «الرواق»: مرصد الأزهر منصة فكرية تستهدف تعزيز مكانة مصر العالمية فى مكافحة التطرف
-تطوير الخطاب الدينى وتصحيح المفاهيم المغلوطة لتحصين الشباب ضد التطرف
-تفنيد أكاذيب الآلة الإعلامية الصهيونية لمنع تضليل الرأى العام العالمى
-ترجمة بيانات الإمام الطيِّب الداعمة لفلسطين إلى اللغات العالمية لضمان وصول الرؤية الأزهرية المستنيرة للعالم
-التركيز على قضايا الجاليات الإسلامية وانتشار «الإسلاموفوبيا» وصعود اليمين المتطرف فى أوروبا
-ترسيخ الوسطية والتسامح والأخوة الإنسانية واحترام الأديان والمواطنة واندماج المسلمين فى الخارج
-الجماعات التكفيرية أسهمت فى انتشار خطاب الكراهية و«الإسلاموفوبيا» فى الخارج
حوار- صابر رمضان:
أكدت د. رهام سلامة، مدير مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، أن مرصد الأزهر منصة فكرية تحظى باعتراف دولى، وتستهدف تطوير الخطاب الدينى، وتصحيح المفاهيم المغلوطة؛ لقطع الطريق على جماعات التطرف من النفاذ لعقول الشباب.
أضافت أن المرصد يستهدف تعزيز مكانة مصر العالمية فى مكافحة التطرف، وتفكيك الفكر المنحرف، وتفنيد أكاذيب الآلة الإعلامية الصهيونية؛ لمنع تضليل الرأى العام العالمى.
أكدت أن المرصد حقق إنجازات ملموسة فى مكافحة التطرف وتطوير الخطاب الدينى الوسطى.
«الرواق» التقت د. رهام سلامة، مدير مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، فكان هذا الحوار..
- ما طبيعة عمل مرصد الأزهر لمكافحة التطرف وأهدافه.. وأهم القضايا التى يوليها اهتمامه الأكبر؟
- يتكون مرصد الأزهر لمكافحة التطرف من (13) وحدة باللغات الأجنبية؛ بخلاف بعض الوحدات اللوجستية مثل الوحدة الإعلامية، ووحدة التدريب والجودة، ووحدة التطوير والمتابعة، ووحدة البحوث والدراسات. يعمل بهذه الوحدات نحو (100) باحث وباحثة من خريجى أقسام الدراسات الإسلامية باللغات الأجنبية بجامعة الأزهر، تم اختيارهم وفقًا لاختبارات متعددة قِيست من خلالها مهاراتهم اللغوية والثقافية. ويضطلع هؤلاء الباحثون برصد وتحليل كلمات بثتها التنظيمات المتطرفة على مواقع الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعى، وكذلك متابعة إصدارات مراكز الدارسات والأبحاث المعنية بالتطرف والإرهاب الفكرى، وقطع طريق وصول ونفاذ التنظيمات الإرهابية وغيرها من أصحاب الآراء المتشددة إلى العقول، من خلال نشر الفهم الصحيح لتعاليم الإسلام ووسطيته، التى تحث على البناء والتنمية فى كل المجالات، ومِن ثمَّ مجابهة الفكر المنحرف والمتطرف وتفكيكه لتحصين الشباب من مختلف الأعمار من الوقوع فريسة فى براثن الفكر المتطرف.
وتعد مهمة المرصد الأولى تسليط الضوء على بؤر الفكر المتطرف، وبيان فسادها وخروجها عن الفطرة السليمة، التى فطر الله النّاس عليها، وتحذير الجميع من خطر الانزلاق لمستنقع هذه الأفكار المتطرّفة.
لكن بالواقع يستحيل القيام بهذه المهمة على الوجه الأكمل، دون ترسيخ حقوق المواطنة، وثقافة الحوار السلمى والتسامح واحترام الأديان، ومِن ثمَّ فإن بناء السلام والحفاظ على الإنسان وحقوقه على جميع المستويات، وأهمها حقه فى حرية المعتقد، هو أول أهداف المرصد، الذى يمكن تلخيص أهدافه فى:
- مجابهة الأفكار المتطرفة، وترسيخ مفاهيم السلام والعيش المشترك النابعة من تعاليم الدين الإسلامى الحنيف.
- معالجة قضايا الإسلام والمسلمين حول العالم؛ لاسيما قضية اندماج المسلمين فى المجتمعات غير الإسلامية مع الحفاظ على هويتهم الدينية، وبخاصة فى ظل انتشار ظواهر سلبية مثل رهاب الإسلام، وخطاب الكراهية، وغيرها من الأزمات، بالتوازى مع نصرة قضايا المسلمين المضطهدين كما الحال فى قضية «الروهينجا»، وفلسطين.
- بناء السلم المجتمعى فى مشارق الأرض ومغاربها، من خلال التواصل الفعال مع الكفاءات العلمية فى مختلف المجالات فى البلدان العربية، والأجنبية.
- تقديم رسالة سامية قائمة على الوسطية والاعتدال والتسامح والأخوة الإنسانية، وفقًا للمنهج الوسطى للأزهر الشريف.
- تعزيز مكانة مصر العالمية فى مجال مكافحة التطرف.
- متابعة التنظيمات المشبوهة، التى أسهمت فى رواج بعض الظواهر الاجتماعية الخطيرة، والغريبة على المجتمعات الإسلامية، بهدف محو الهويات، ومحاربة التنوع الثقافى.
بعبارة أخرى، لم يقتصر اهتمام المرصد على قضية الإرهاب فقط، وإنما عُنى كذلك بالتركيز على أنشطة الجاليات الإسلامية فى الدول الأوروبية ومشكلة «الإسلاموفوبيا» وانتشار خطاب الكراهية وصعود تيار اليمين المتطرف، والتعايش السلمى، وقضايا الحريات الدينية، وتسليط الضوء على معاناة اللاجئين حول العالم، ومشكلات المرأة والطفل، والقضية الفلسطينية وغيرها.
- ما أهم المؤسسات التى يتعاون معها المرصد.. وما أبرز جهوده لمواجهة خطاب «الإسلاموفوبيا» ومساندة المسلمين فى الخارج مع تنامى العداء ضد الإسلام والمسلمين؟
- يحرص مرصد الأزهر لمكافحة التطرف على التواصل الفعّال مع معظم المؤسسات الدينية والفكرية المعنية بمواجهة الخطاب المتطرّف، وحماية الشباب من براثن الجماعات الإرهابية، التى تسعى لاستغلالهم لتنفيذ أجندات تخريبية تستهدف زعزعة أمن المجتمعات واستقرار الأوطان. وقد أبرم المرصد عددًا من بروتوكولات التعاون مع مؤسسات محلية وإقليمية ودولية، وتشمل هذه الشراكات تبادل الخبرات، والمشاركة فى المؤتمرات الدولية والإقليمية التى تتقاطع مع أهداف المرصد، وتلعب المشاركة فى الاجتماعات والمؤتمرات الدولية، دورًا مهمًا فى مكافحة ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، وانتشار مشاعر الكراهية والتحريض ضد شخص ما أو مجموعة من الأشخاص بسبب دِين، أو عِرق، أو لون، أو جنس. كما أصدر المرصد العديد من الكتب للتحذير من خطورة شيوع خطاب الكراهية على تفتيت النسيج المجتمعى، بالإضافة إلى مجموعة من المقالات والتقارير باللغة العربية وأخرى باللغات الأجنبية والتى تؤكد أهمية الحرية الدينية، والتعايش السلمى، وقبول الآخر، والمساواة فى الحقوق والواجبات، وتسلط الضوء على جهود الأزهر الشريف فى ترسيخ قيم التسامح والحوار والأخوة الإنسانية، والتعريف برسالة الأزهر الوسطية، والقيم الدينية والأخلاقية التى تدعو إلى حب الأوطان، وقبول الاختلاف فى إطارٍ من التسامح والعيش المشترك.
هذا بخلاف حرص المرصد على استقبال العديد من الوفود الأجنبية التى تعلن عن رغبتها فى التعاون مع المرصد، واستقبال باحثين من جامعات أمريكية وأوروبية وأفريقية.
- كيف يمكن للمرصد بيان مخاطر وتأثير الإساءة للمقدسات الإسلامية على السلم الاجتماعى؟
- لدينا تواصل مع القيادات الدينية فى الخارج، ونحرص على استقبالهم فى مرصد الأزهر، لبيان خطورة الإساءة للمقدسات على تغذية «الإسلاموفوبيا»، وخلق حالة من العداء والنفور تجاه المسلمين فى المجتمعات الغربية. وكذلك تقويض قيم المواطنة؛ مما يضعف نسيج المجتمع الواحد، وشرعنة العنف، وتوفير غطاء أخلاقى زائف للمتطرفين من كلا الجانبين للقيام بأعمال انتقامية.
هذا بالإضافة إلى توقيع عدد من بروتوكولات التعاون مع العديد من المنظمات والحكومات الإقليمية والدولية. كما يعتزم المرصد العمل على فتح قنوات اتصال جديدة وتكثيف التعاون مع الجمعيات الإسلامية فى الخارج، والبحث عن وسيلة قانونية لإرسال مخرجات المرصد العربية والأجنبية للسفارات فى مصر.
- ماذا فعل المرصد لكشف الأكاذيب التى يروِّجها الإعلام الصهيونى عن فلسطين وتأكيد الحقوق العربية والإسلامية فى الأراضى الفلسطينية؟
- تعددت مخرجات المرصد ما بين البيانات والإدانات، والمقالات والتقارير، والحملات التوعوية، والندوات الميدانية، وترجمة كل بيانات فضيلة الإمام الأكبر أ. د. أحمد الطيب شيخ الأزهر، التى عبر فضيلته من خلالها عن دعم ومساندة الشعب الفلسطيني، وتركزت محاور المخرجات على فضح جرائم الكيان الصهيونى ضد الأبرياء من الأطفال والنساء والمدنيين، بل وتجاه المنشآت المدنية كالمستشفيات ودور العبادة، وتفنيد أكاذيب الآلة الإعلامية الصهيونية، وبيان حقيقة الكيان الصهيونى الإرهابية، التى لا تختلف عن داعش، وفضح الانحياز الدولى للكيان الصهيونى على حساب حياة الأبرياء فى فلسطين، ودعم ومساندة الأشقاء فى فلسطين.
وفى السياق ذاته، ابتكر مرصد الأزهر لمكافحة التطرف مصطلحات جديدة تواكب العدوان الصهيونى على فلسطين، ودعا إلى ترسيخ استعمالات هذه المصطلحات فى الوعى الجمعى البشرى وصفحات القواميس والموسوعات، مثل (Ziocide) وتعنى «الإبادة الصهيونية» والمصطلح منحوت من كلمتى (Zionist) وتعنى صهيونى، و(genocide) بمعنى الإبادة الجماعية. وكذلك مصطلح (Ziowashing) ويعنى الصهينة.
وطالب مرصد الأزهر لمكافحة التطرف مواقع التواصل الاجتماعى وبالأخص «إنستجرام»، بإعادة إتاحة منصة (Eye On Palestine)، مؤكدًا أن حجب المنصة يتعارض مع كل معايير حرية التعبير، وأنَّ المنصة لم تقم سوى بعرض الحقيقة التى يحاول البعض إخفاءها؛ من استهداف الأطفال والنساء وتنفيذ إبادة شاملة لكل مظاهر الحياة فى غــزة، وأن استمرار حجب المنصة يُثْبِتُ تورط شركة (ميتا) بشكل رئيس فى إخفاء الحقائق وبيان حقيقة الموقف فى غـزة. كما حرص المرصد على فضح جرائم الاحتلال الصهيونى، بشكل لحظى، واعداد «إنفوجراف» يومى بحصيلة الشهداء والمصابين من الجانب الفلسطينى، وإدانة جرائم الاحتلال ضد الفلسطينيين والتى ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
كما أعد المرصد عددًا من الفيديوهات المصورة المتعلقة بالقضية الفلسطينية والحرب الراهنة على غزة، توثق الانتهاكات الصهيونية المتكررة ضد الطفل الفلسطينى منذ عام ٢٠٠٠م وحتى الآن.
- ما أهم المشاكل التى تواجه عمل المرصد؟ وما مدى نجاحه فى تطوير الخطاب الدينى؟
- يواجه المرصد فى أداء مهامه تحديات متعددة المستويات، تشمل التحديات الميدانية والأمنية. وقد سبق أن وصلت المرصد تهديدات أمنية من بعض الحسابات المتطرفة، كما برزت تحديات تقنية ورقمية كبيرة مع استغلال الجماعات المتطرفة للإنترنت ومنصات التواصل لنشر الأفكار المتطرفة وتجنيد الأتباع، كذلك تجعل الفجوات الاقتصادية والاجتماعية والانحرافات الفكرية، بعض الفئات أكثر عرضة للاستغلال من قبل تلك الجماعات، مما يزيد من تعقيد مهمة الوقاية والعلاج.
ومع هذا فقد تمكن المرصد من تحقيق إنجازات ملموسة فى مجال مكافحة التطرف وتطوير خطاب دينى وسطى، ويتجلى ذلك فى عدة محاور. فعلى صعيد الانتشار العالمى والتأثير الدولى، أصبح المرصد منصة فكرية مرجعية تحظى باعتراف دولى، وكرس جهودًا كبيرة لتطوير الخطاب الدينى ذاته من خلال تصحيح المفاهيم المغلوطة حول قضايا جوهرية مثل الجهاد والتكفير، وتقديم رؤية تجديدية تقوم على الحوار الحكيم والمنهج الوسطى المستند إلى النصوص الشرعية، والتعاون مع مؤسسات الأزهر لتطوير المناهج وبناء الكوادر الدينية القادرة على حمل رسالته التجديدية.
- ماذا عن ردكم على الهجمة الشرسة التى يتعرض لها الأزهر وإمامه من آنٍ لآخر خاصة فى ظل شنِّ بعض المراكز البحثية فى إسرائيل حملة ضد شيخ الأزهر واتهامه بمعاداة السامية بسبب مواقفه المؤيدة للقضية الفلسطينية وتصريحاته التى لا تروق للكيان الصهيونى؟
- يأخذ الرد على الهجمات الشرسة، التى تستهدف المؤسسة ورمزها فضيلة الإمام الأكبر من مراكز بحثية وجهات صهيونية، شكلًا مؤسسيًا متكاملًا يتجاوز مجرد الدفاع إلى الهجوم الفكرى المنظم؛ إذ يقوم المرصد بترجمة جميع بيانات فضيلة الإمام الأكبر الداعمة للشعب الفلسطينى إلى اللغات العالمية لضمان وصول الرؤية الأزهرية الصادقة للمجتمع الدولى، ونشر إصدارات خاصة (مثل كتيب بيانات الإمام الأكبر بخصوص طوفان الأقصى) لمواجهة محاولات تشويه مواقف فضيلته. كما نعمل على تفنيد أكاذيب الآلة الإعلامية الصهيونية، التى تحاول تضليل الرأى العام العالمى، مع التركيز على فضح الطبيعة الإرهابية للكيان الصهيوني، ومساواته بتنظيمات إجرامية، مثل «داعش»، من خلال تقارير تحليلية ومخرجات إعلامية ترصد وفضح جرائم الاحتلال بشكل لحظى، وفيديوهات توثق الانتهاكات ضد المدنيين والأطفال منذ عام 2000، بما فى ذلك استخدام الأسلحة المحظورة دوليًا مثل الفسفور الأبيض. وقد نجحت هذه الجهود فى دفع شرطة الاحتلال لمتابعة إصدارات المرصد مباشرة والتفاعل معها بمحاولات يائسة للاتهام بالتضليل، مما يؤكد نجاح المرصد فى تقويض الرواية الصهيونية الزائفة وتأكيد الدور التاريخى للأزهر فى دعم القضية الفلسطينية كقضية إنسانية وعادلة.
- التطرف والإرهاب الصهيونى فاق التصورات وتخطى القوانين الدولية.. فما رؤيتكِ لذلك؟
- تستند رؤيتى إلى الثوابت الدينية للإسلام السمح، الذى يحرم العدوان، ويدعو إلى السلام والعدل، ويحترم القانون الدولى، وهى رؤية تتفق مع آراء العديد من خبراء القانون الدولى، ووجهة نظر المؤسسات الإسلامية الأكاديمية، وتشير الأحداث الأخيرة، والعدوان على الأبرياء فى قطاع غزة، إلى تجاوز خطير للقانون الدولى، واستخدام للقوة خارج الحدود القانونية، ورفض الالتزام بالقواعد الدولية يضع المسئولية على المجتمع الدولى لاتخاذ موقف واضح.
- ظهرت فى الآونة الأخيرة صفحات للملحدين على الإنترنت.. فماذا عن نظرتكم لانتشار هذه الظاهرة وما دور مرصد الأزهر تجاه هذه القضية؟
- أود أن أوضح أولًا أن رؤية المرصد ورسالته يتمثلان فى مواجهة كل أشكال التطرف الفكرى، سواء ارتبطت بتفسير دينى متشدد أو بأيديولوجيات عنيفة أخرى تهدد السلم المجتمعى وتنكر كرامة الإنسان، وبناءً على هذا المنطلق، فإن تناولنا لظاهرة الإلحاد ينبع من تحليلها كظاهرة فكرية واجتماعية معقدة وليست ظاهرة دينية بحتة. وفى هذا الصدد، أصدر المرصد عددًا من الدراسات والأبحاث والمقالات والتقارير التى تتناول ظاهرة الإلحاد؛ حيث عددت دراسة «الإرهاب والإلحاد وجهان لعملة واحدة» وجوه الإرهاب وأشكاله فى الفكر الإلحادى، ويتجلى ذلك فى الفكر الأحادى للملحدين، وذلك عن طريق تبنى إنكار وجود الخالق، والاستهزاء بالأديان والشرائع، مع الإنكار الشديد على من خالفهم فى هذا الرأى، والتشنيع به، والاستهزاء منه، بل ومحاربته أيضًا.
كما يتضح إرهاب الإلحاد فى اللامرجعية، واللامسئولية للفكر الإلحادى، والذى يتشابه إلى حد كبير مع الفكر الإرهابى المتطرف، فالإلحاد يَعُدُّ الجانبَ الأخلاقى جانبًا تُشكِّله الظروف الاجتماعية والبيئية بحسب التربية، بعيدًا عن أى مصدر إلهى، أو وحى دِينى، وهذا يعنى أن خُلُقًا حميدًا كالأمانة مثلًا، أو الحفاظ على أرواح الخلق، أو بذل السلام للعالم، هو خُلُق نِسبيٌّ؛ لأنه لا مرجعية له لديهم، ولا دافع له إلا المصلحة الفردية للملحد؛ فيمكن للملحد أن يُبيد، أو يحطم، أو يقتل ما دام هذا يحقق نفعًا خاصًّا، أو مصلحة له.
- هل نجحت المؤسسات الدينية فى تفنيد أخطاء الجماعات المتطرفة أمام هجوم الغرب؟
- نعم، تعاطت المؤسسات الدينية مع تحديات الفكر المتطرف بشكل فعال من خلال توضيح الصورة الحقيقية للإسلام وتعليماته السمحة. إذ قامت هذه المؤسسات بإصدار بيانات، وتطوير مخرجات عديدة تشدد على مبادئ التسامح والاعتدال، علاوةً على ذلك، اتبعت استراتيجية متعددة الأبعاد لمواجهة هجوم الغرب.
وفى البداية، كانت هناك جهود واضحة لترجمة وتصحيح النصوص الدينية المستخدمة بشكل مغلوط من قِبل الجماعات المتطرفة، بالإضافة إلى تنظيم حملات توعوية تهدف إلى التعريف بقيم الدين الإسلامى وأخلاقه، وقد أسهم الباحثون فى تلك المؤسسات بمشاركات فعّالة فى المؤتمرات والندوات على المستوى المحلى والدولى، مما ساعد فى إيصال رسائل السلام وتفنيد الأيديولوجيات المتطرفة.
ولكن، لا تزال هناك تحديات قائمة تتطلب مزيدًا من التنسيق والتعاون بين المؤسسات الدينية والمجتمعات الغربية؛ فالتصدى لتحريفات الجماعات المتطرفة وحماية صورة الإسلام يتطلب مجهودات متواصلة واستراتيجيات شاملة تتناسب مع التغيرات الحالية.
- وماذا عن تداعيات وجود الجماعات التكفيرية والظلامية والمتشددة وتأثيرها على الإسلام والمسلمين؟
- وجود الجماعات التكفيرية والظلامية يشكل تحديًا كبيرًا للإسلام والمسلمين على جميع الأصعدة؛ فهى تسىء إلى صورة الدِّين الحنيف، وتُعزز من مشاعر الخوف والعداء تجاه المسلمين فى المجتمعات الغربية، مما يسهم فى انتشار ظواهر «الإسلاموفوبيا» وخطاب الكراهية.
وتتسبب هذه الجماعات فى خلق انطباعات خاطئة عن الإسلام، من خلال ترويج أفكار متطرفة تُخالف تعاليم الدِّين القائم على السلم والتعايش، كما أن ممارساتها العنيفة تؤدى إلى تهميش المجتمعات المسلمة، وتفكيك النسيج الاجتماعى، وترسيخ الصراعات الداخلية.
علاوة على ذلك، تستغل هذه الجماعات حالات الفقر والإقصاء لتجنيد الشباب؛ مما يؤدى إلى اتساع دائرة التأثير السلبى على الفئات الأكثر هشاشة فى المجتمع. وعليه، تعدُّ مكافحة هذه الجماعات وفضح أفكارها المتطرفة مسئولية جماعية تتطلب تضافر الجهود بين المؤسسات الدينية والمجتمعية والإعلامية لتقديم صورة صحيحة ومعتدلة عن الإسلام، والعمل على بناء جسور التفاهم بين الثقافات المختلفة.
- أخيرًا.. ما أهم القضايا التى يجب أن يركز عليها الخطاب الدينى فى الوقت الراهن؟
- إن الخطاب الدينى فى الوقت الراهن يحتاج إلى التركيز على عدد من القضايا الحاسمة، التى تسهم فى تعزيز السلام والتعايش المشترك، ويمكن القيام بذلك من خلال ما يلى:
أولًا: من الضرورى التصدى لظواهر التطرف والتكفير من خلال توضيح المفاهيم الدينية الصحيحة وتعليم قيم التسامح والاعتدال.
ثانيًا: يتعين دعوة المجتمع الدولى إلى احترام حقوق الإنسان وحرية المعتقد، مما يساعد فى تعزيز حقوق المسلمين فى البلاد غير الإسلامية ويحافظ على هويتهم الدينية.
ثالثًا: يجب تناول قضايا الحوار بين الأديان؛ حيث إن تسهيل الحوار البناء بين مختلف الثقافات والأديان يعد أمرًا فى غاية الأهمية لمحاربة الظلامية وتعزيز السلم المجتمعى.
رابعًا: ينبغى التركيز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية التى تواجه المجتمعات المسلمة، مثل مكافحة الفقر والجهل، وتعزيز التعليم كوسيلة لمواجهة الأفكار المتطرفة.
وأخيرًا، يتطلب الوضع الحالى تعزيز النسيج المجتمعى من خلال تشجيع مفاهيم العيش المشترك والانفتاح على الآخر، مما يسهم فى بناء سلام دائم قائم على الاحترام المتبادل والتفاهم.
د. رهام سلامة، مدير مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، هى إحدى القيادات النسائية المصرية البارزة، وهى ابنة الأزهر الشريف الناجحة فى مجال مكافحة التطرف وإحلال السلام، نشأت فى عائلة أزهرية، فوالدها الدكتور عبد الله سلامة الأستاذ بكلية أصول الدين.
عملت أستاذة للغة الأردية فى كلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، إلى جانب عملها بالمرصد؛ حيث تولت رئاسة وحدة «الأردو» بمرصد الأزهر، وقد كلفها فضيلة الإمام الأكبر أ. د. أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف بالعمل مديرًا للمرصد فى عام 2022م، خلفًا للدكتور طارق شعبان مدير المرصد السابق.
حققت د. رهام طفرة هائلة ونجاحات متتالية بالمرصد، ومن قبله عملت لدى مركز الأزهر للترجمة، وأسهمت فى إصداراته المتنوعة من ترجمات ومراجعات لأكثر من خمسة كتب وعدد ضخم من المقالات المترجمة من الأوردية إلى اللغة العربية والعكس، وهى عضو ببيت العائلة المصرى، وقد شاركت فى العديد من المؤتمرات التى عنيت بمكافحة التطرف العنيف إقليميًّا ودوليًّا، ومثَّلت الأزهر الشريف فى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى، وفى منظمة الأمن والتعاون فى أوروبا (فيينا) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائى، وفى الوفود الرئاسية الموفدة إلى الصين.
تحمل د. رهام سلامة صفة جهة الاتصال المعتمدة فى القاهرة لدى معهد أريانو الدولى وسفيرة منظمة أديان من أجل السلام التابعة للأمم المتحدة، وعضو مجلس أمناء المعهد الملكى للدراسات الدينية بالأردن، وهى أول قيادة نسائية تتولى إدارة مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، وقد أثبتت عن جدارة تفوقها ونجاحها لشغل هذا المنصب.