الجامع الأزهر يؤكد في ملتقاه الأسبوعي للمرأة: “حق الحياة وإكرام النفس البشرية واجب شرعي لاستقرار المجتمع”

في إطار الأنشطة الدعوية والتوعوية المكثفة التي ينظمها الرواق الأزهري تحت رعاية فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور/ أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، عقد الجامع الأزهر الشريف ندوة جديدة ضمن فعاليات “ملتقى المرأة الأسبوعي”، وجاءت ندوة هذا الأسبوع تحت عنوان “حق الحياة وإكرام النفس البشرية واجب شرعي”، لتسليط الضوء على الأبعاد الشرعية والاجتماعية لحماية النفس الإنسانية وصون كرامتها، بمشاركة نخبة من أساتذة جامعة الأزهر وباحثات الجامع الأزهر الشريف.

استهلت الندوة الأستاذة الدكتورة/ فتحية محمد الحنفي- أستاذ الفقه بجامعة الأزهر الشريف – حديثها بتأكيد أن حق الحياة يعد من أصول الحقوق الإنسانية الواحبة في حق الإنسان، كونه يرتبط مباشرة بمقصد “حفظ النفس” وهو أحد المقاصد الخمسة الضرورية في الشريعة الإسلامية.

وأوضحت د. فتحية الحنفي أن الله – سبحانه وتعالى- كرّم بني آدم وخلقهم في أحسن تقويم، ومنحهم العقل وحرية الاختيار، مستشهدة بقوله تعالى : “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا”.

وأضافت أن حرمة النفس مغلظة في الإسلام، فلا يجوز الاعتداء عليها سواء من الشخص تجاه نفسه أو تجاه الآخرين، مؤكدة أن التشريع الإسلامي وضع عقوبات زاجرة في الدنيا والآخرة لمن يتجرأ على إزهاق الروح البشرية. وأشارت إلى الهدي النبوي في إكرام النفس الإنسانية بغض النظر عن معتقدها، متمثلاً في قيام النبي ﷺ لجنازة يهودي مرّت به قائلاً: “أو ليست نفساً”. كما نوّهت بنهيه ﷺ الشديد عن ترويع الآمنين بقوله: “لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً”.
الرؤية الاجتماعية: الأمن النفسي والجسدي ركيزة البناء الحضاري.

من جانبها، تناولت الدكتورة نسرين فؤاد، أستاذ علم الاجتماع والرئيس السابق للقسم بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، الأبعاد الاجتماعية والنفسية المترتبة على صون حق الحياة، وأكدت أن استقرار المجتمع واتزانه لن يتحقق إلا عبر توفير الأمن الجسدي، والاجتماعي، والنفسي لأفراده.

وأوضحت د. نسرين فؤاد، أن النفس البشرية عندما تحظى بالطمأنينة والدعم من البيئة المحيطة، وتستشعر العدالة والمساواة، تزداد قدراتها الذاتية وتصبح أكثر قدرة على الاندماج الاجتماعي ومواجهة الأزمات، بل وتساهم بفعالية في بناء الحضارة الإنسانية التي تجمع بين المكتسبات التكنولوجية الحديثة والقيم الإسلامية الرصينة.

وعرجت خلال المحاضرة على ظاهرة الانتحار كحالات فردية ظهرت مؤخراً، مستعرضة العوامل المؤدية إليها وطرق مواجهتها، وقدمت في ختام كلمتها “روشتة اجتماعية” متكاملة لإكرام النفس وصيانتها شملت؛ تعزيز آليات التواصل والحوار الأسري والمجتمعي، والاهتمام بالصحة النفسية للمحيطين وملاحظة أي تغيرات تطرأ عليهم والاستعانة بالمتخصصين، ومكافحة الظواهر السلبية كالإدمان، والتنمر، والعنف، مع تصدير النماذج الإيجابية الناجحة، وتكثيف البرامج الدعوية والخطب التي تعلي من قيمة النفس البشرية، وإعداد استراتيجية قومية تنموية تهدف لتوفير فرص العمل، وتحسين نوعية الحياة والمستوى الاقتصادي للأفراد.

وفي السياق ذاته، أكدت د. حياة العيسوي -الباحثة بالجامع الأزهر الشريف – أن حق الحياة هو أقدس الحقوق البشرية وأولاها بالحماية، مشيرة إلى إجماع الشرائع السماوية على صونه. وأوضحت أن الإسلام سد كل الذرائع المؤدية إلى إهلاك النفس أو تعذيبها أو تعريضها للخطر بأي شكل من الأشكال.

وبيّنت د. العيسوي أن الإسلام جعل قيمة حياة الفرد الواحد موازية لقيمة حياة البشرية جمعاء، استناداً لقوله تعالى:
“مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”.
وأضافت أن الكرامة الإنسانية في الإسلام تُترجم عملياً عبر تحريم الأذى الجسدي والنفسي، وكفالة الحق في الرعاية الصحية والعيش الكريم. واختتمت كلمتها بالإشارة إلى أن إكرام النفس لا يقتصر على منع الاعتداء الخارجي فحسب، بل يمتد ليشمل حث الإنسان نفسه على صيانة كرامته، والابتعاد عن مواضع المهانة، والامتناع التام عن إلحاق الأذى بذاته كالانتحار أو الإضرار بالنفس.

زر الذهاب إلى الأعلى