مؤشر مرصد الأزهر: تراجع كمي وتصاعد دموي للإرهاب في وسط إفريقيا خلال أبريل 2026
شهدت منطقة وسط إفريقيا خلال شهر أبريل 2026 تحولًا استراتيجيًا لافتًا في نمط النشاط الإرهابي؛ إذ سجلت تراجعًا واضحًا في عدد العمليات العسكرية للتنظيمات المتطرفة مقارنة بشهر مارس الماضي، مقابل تصاعد حاد وغير مسبوق في حجم الخسائر البشرية الناجمة عن هذه الهجمات.
تأتي هذه المفارقة الإحصائية في ظل محدودية جهود المواجهة العسكرية وغياب الردع الميداني، مما يعكس تغيرًا في تكتيكات الجماعات الإرهابية نحو نمط “العمليات النخبوية” أو “المركزة”، التي تعتمد على خفض الكثافة العددية للهجمات مقابل تعظيم الأثر الدموي والمادي.
انكماش العمليات وتضاعف الضحايا وحالات الاختطاف
وتُشير البيانات التحليلية لشهر أبريل إلى انخفاض كبير في عدد العمليات الإرهابية بنسبة بلغت نحو 63.6%، حيث نُفذت 4 عمليات فقط مقارنة بـ 11 عملية في شهر مارس.
ورغم هذا التراجع، إلا أن المحصلة البشرية جاءت مرعبة؛ إذ قفز عدد الضحايا بشكل حاد ليصل إلى 90 قتيلًا دون تسجيل إصابات، مقارنة بـ 18 قتيلًا ومصابين اثنين في الشهر السابق.
كما سجل الشهر ذاته تحولًا نوعيًا خطيرًا عبر خطف 80 شخصًا، في حين لم يشهد شهر مارس أي حالات اختطاف، مما يؤكد تبني التنظيمات لاستراتيجية احتجاز الرهائن لغايات سياسية أو تمويلية.
الكونغو الديمقراطية في مرمى الاستهداف
وعلى مستوى التوزيع الجغرافي للتهديدات، احتكرت جمهورية الكونغو الديمقراطية كامل النشاط الإرهابي في المنطقة خلال هذا الشهر بنسبة 100%، مستحوذة على العمليات الأربع كاملة وما نتج عنها من خسائر فادحة (90 قتيلًا و80 مختطفًا).
ويعكس هذا التركيز الحاد وغير المسبوق حصر التنظيمات الإرهابية لثقلها العملياتي داخل نطاق جغرافي محدد يعاني من هشاشة أمنية مزمنة، خاصة في المناطق الشرقية والوسطى للبلاد.
في المقابل، تنفست دول الجوار الصعداء مؤقتًا؛ حيث لم تشهد كل من تشاد والكاميرون أي عمليات إرهابية خلال أبريل، مما يشير إلى انحسار مؤقت للتهديد خارج البؤرة الكونغولية الرئيسية.
غياب الردع العسكري وتراجع الضغط العملياتي
أمام هذا التصاعد في وحشية الهجمات، سجلت جهود المكافحة الإقليمية تراجعًا مقلقًا، حيث لم يرصد أي عمليات عسكرية هجومية أو استباقية ضد المعاقل الإرهابية خلال شهر أبريل، مقارنة بعملية واحدة فقط نفذها الجيش التشادي في مارس وأسفرت آنذاك عن مقتل 8 عناصر متطرفة. هذا الغياب التام لعمليات الرد العسكري يكرس حالة من الضعف في الاستجابة الميدانية السريعة، ويمنح التنظيمات الإرهابية مساحات حركة مريحة ووقتًا كافيًا للتخطيط وإعادة التموضع دون وجود ضغط أمني موازٍ لحجم التهديد.
قراءة في التكتيك الجديد: تعظيم الخسائر بدل الاستنزاف الكمي
تُثبت المقارنة التحليلية بين شهري مارس وأبريل أن البيئة الأمنية في وسط إفريقيا باتت محكومة بمعادلة شديدة التعقيد؛ فالانخفاض الحاد في عدد الهجمات بالتوازي مع الارتفاع القياسي في أعداد القتلى والمختطفين يؤكد أن التنظيمات الإرهابية بدأت تتخلى عن تكتيك “الاستنزاف الكمي” (الهجمات المتفرقة وصغيرة الأثر) لصالح “الضربات النوعية المركزة”. وتهدف هذه الاستراتيجية الجديدة إلى تحقيق صدى إعلامي واسع وبث الرعب المجتمعي بأقل تكلفة بشرية ولوجستية ممكنة للتنظيم، مستغلة في ذلك حالة التراخي العسكري الراهنة.
وبناءً على هذه المؤشرات الإحصائية الحرجة، يرى المرصد أن التنظيمات المتطرفة في وسط إفريقيا تتجه نحو إعادة هيكلة أساليبها مستفيدة من تراجع الضغط الميداني عليها. وفي هذا الصدد، يحذر مرصد الأزهر لمكافحة التطرف من خطر داهم؛ إذ إن استمرار غياب الردع العسكري الفعال والمستدام قد يساهم في ترسيخ هذا النمط الجديد من “الضربات المركزة عالية الخسائر”.
ويوصي المرصد بضرورة تحرك القوى الإقليمية والدولية لتبني مقاربة أمنية أكثر شمولية تتجاوز ردود الأفعال التقليدية، عبر:
تكثيف العمليات العسكرية الاستباقية في بؤر التوتر.
تعزيز التنسيق الاستخباراتي والعسكري المشترك بين دول المنطقة لغلق الممرات الحدودية.
تطوير قدرات الرصد المبكر لقطع الطريق على التنظيمات قبل تحويل المناطق الهشة أمنيًا إلى مراكز عمليات دائمة ومستقرة.