«العرب إلى المذبح».. شعار يهدد قيم الجمهورية الفرنسية
بقلم أ. د. أسامة نبيل
كلية اللغات والترجمة- جامعة الأزهر
في مساء يوم 5 يونيو 2026، شهدت إحدى قاعات الرقص (ديسكوتيك) بمدينة روديز جنوب فرنسا حادثة مقلقة، بعدما ظهر مشاركون يرددون هتافات ذات مضمون عنصري تقول: «مارين لوبان في السلطة، والعرب إلى المذبح».
قد يحاول البعض التقليل من خطورة مثل هذه الكلمات؛ باعتبارها لحظة انفعال أو تصرفًا عابرًا في أجواء احتفالية، غير أن التاريخ يعلمنا أن أخطر موجات العنف والكراهية لم تبدأ دائمًا بالسلاح، بل بدأت أحيانًا بكلمات وشعارات صنعت صورة «العدو الداخلي» ومهَّدت نفسيًا واجتماعيًا لقبول الإقصاء. فالسياسة مجال للاختلاف وتنافس البرامج والأفكار، أما تحويل مجموعة كاملة من البشر إلى هدف بسبب أصلها أو هويتها، فهو خروج من مساحة الرأي إلى مساحة التحريض. إن عبارة مثل «العرب إلى المذبح» ليست انتقادًا سياسيًا، بل خطاب ينزع الإنسانية عن جزء من المجتمع الفرنسي، ويهدد أحد أهم أسس الجمهورية: العيش المشترك بين مواطنين متساوين في الكرامة والحقوق.
ولعل أحد أكثر الجوانب إثارة للتساؤل في حادثة «روديز» لم يكن فقط طبيعة الهتاف نفسه، وإنما أيضًا محدودية الصدى الإعلامي الذي رافق الواقعة. فحين يُسمع شعار بهذه القسوة يدعو رمزيًا إلى استهداف فئة من السكان، يصبح من المشروع طرح سؤال بسيط: هل كان رد الفعل الإعلامي سيبقى بالهدوء نفسه لو أن جماعة أخرى من المجتمع الفرنسي كانت هي المستهدفة؟
إن دور الصحافة في المجتمعات الديمقراطية لا يقتصر على متابعة الصراعات السياسية أو الأحداث الكبرى، بل يشمل أيضًا التنبيه إلى الخطابات التي قد تهدد السلم الأهلي. فتجاهل الإشارات الأولى للكراهية قد يسمح بتحولها تدريجيًا من كلمات هامشية إلى لغة يعتاد عليها المجتمع. ولا يعني التساؤل حول ضعف التغطية الإعلامية اتهام الصحافة الفرنسية ككل بالتقصير أو الانحياز، فقد لعب الإعلام الفرنسي في محطات عديدة دورًا مهمًا في فضح العنصرية والدفاع عن ضحايا التمييز. لكن قوة الإعلام تقاس بقدرته على الدفاع عن المبدأ نفسه أيًا كانت هوية الضحية، لأن كرامة الإنسان لا ينبغي أن تخضع لحسابات سياسية أو اجتماعية.
وقد عرفت فرنسا نفسها تجارب أظهرت خطورة خطاب الإقصاء. ففي الملاعب الفرنسية، تعرض لاعبون سود أو من أصول مهاجرة لهتافات وإهانات عنصرية حاول البعض وصفها بأنها “مجرد استفزاز رياضي”، لكنها في الواقع تركت أثرًا عميقًا لأنها شككت في انتماء مواطنين فرنسيين إلى وطنهم بسبب أصولهم.
كما كشفت أحداث الضواحي الفرنسية عام 2005، بعد وفاة الشابين زياد بنّا وبونا تراوري في كليشي سو بوا، عن حجم التوتر الذي يمكن أن يتراكم عندما يشعر جزء من الشباب بأنه يعيش على هامش المجتمع. ورغم تعدد أسباب تلك الأحداث، فقد أظهرت أن الإحساس بالإقصاء والتمييز يمكن أن يتحول إلى أزمة تمس المجتمع بأكمله.
وتاريخ أوروبا يقدم دروسًا أكثر قسوة. ففي منطقة البلقان خلال التسعينيات، ساهمت الخطابات القومية المتطرفة التي قسمت المواطنين حسب الهوية العرقية والدينية في تمزيق مجتمعات عاش أفرادها جنبًا إلى جنب لعقود، وكانت النتيجة حروبًا وعمليات تطهير عرقي تركت جروحًا عميقة.
وفي بريطانيا، كشفت جريمة قتل الشاب الأسود ستيفن لورانس عام 1993 بدوافع عنصرية عن قدرة ثقافة الكراهية على إنتاج العنف، وأطلقت نقاشًا وطنيًا واسعًا حول العنصرية والتمييز.
أما في النرويج عام 2011، فقد أظهرت هجمات المتطرف أندرس بريفيك كيف يمكن لأفكار تقوم على رفض الآخر والخوف من التنوع أن تتحول لدى البعض إلى فعل دموي.
هذه الأمثلة لا تعني أن كل شعار متطرف يقود حتمًا إلى مأساة، لكنها تؤكد درسًا واحدًا: المجتمعات التي تتسامح مع نزع الإنسانية عن جزء من أبنائها تفتح الباب أمام الانقسام. ومن هنا فإن حادثة روديز ليست قضية العرب وحدهم، بل قضية فرنسا كلها. فالجمهورية التي تقوم على الحرية والمساواة والأخوة لا يمكن أن تقبل بأن يشعر بعض مواطنيها بأن كرامتهم أقل حماية من غيرهم.
إن السلم المجتمعي لا ينهار فجأة، بل يتآكل عندما تتحول الإهانات إلى أمر عادي، وعندما يصبح التحريض مجرد «مزحة»، وعندما يمر خطاب الكراهية دون مساءلة. فحماية المجتمع تبدأ بحماية اللغة من التحول إلى سلاح، وبالتأكيد أن كل إنسان، مهما كان أصله أو اسمه أو معتقده، يستحق الاحترام ذاته. لأن الدفاع عن كرامة الآخر هو في النهاية دفاع عن المجتمع كله.