في الملتقى الأسبوعي للمرأة بالجامع الأزهر:​التثبت وحسن الظن بالمؤمنين وإماتة الأكاذيب بالصمت هي الركائز الأساسية لحماية السلم المجتمعي

عقد الجامع الأزهر الشريف ندوته الأسبوعية الحاشدة ضمن برامجه الموجهة للمرأة والأسرة، والتي جاءت هذا الأسبوع تحت عنوان:”حديث الإفك وخطر الشائعات”، بحضور الدكتورة منال مصباح، أستاذ البلاغة والنقد ورئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية الهندسة للبنات؛ والدكتورة رضا إسماعيل، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر؛ والدكتورة سناء السيد، الباحثة بالجامع الأزهر الشريف.

​استهلت الدكتورة منال مصباح الحديث بالتأكيد على أن حادثة الإفك تكشف بدقة متناهية مدى الخطورة البالغة للشائعة على الفرد والمجتمع على حد سواء، مبينةً كيف كادت تلك المؤامرة أن تشعل فتنة قبلية عمياء بين الأوس والخزرج، واستنزفت طاقات الأمة القيادية والدعوية في القيل والقال. كما رصدت الأثر النفسي والجسدي القاسي على السيدة عائشة -رضي الله عنها- التي أصيبت بمرض شديد وبكاء متواصل حتى ظنت أن كبدها سينفطر من شدة الألم والظلم.

​وأوضحت د. منال مصباح، أن سورة النور لم تكن مجرد آيات تتلى، بل أرست منهجًا تشريعيًا وتربويًا متكاملاً للوقاية من الشائعات وحماية المجتمع من التفكك، يبدأ بفرض التثبت والتبين، وإيجاب حسن الظن بالمؤمنين وقياس الأمور على النفس، مستعرضةً العقوبات الزاجرة التي شرعها الإسلام كاشتراط أربعة شهداء لإثبات القذف، وجعل عقوبته ثمانين جلدة مع إسقاط شهادة الفاعل لتطهير المجتمع من مروجي الأكاذيب.

​كما استعرضت حكمة النبي ﷺ في إدارة الأزمة برفق ورحمة، حيث تعامل مع زوجته باللطف رغم ثقل الهم، وسلك مسلك التثبت بالمشورة والمصارحة الحانية، مؤكدةً أن المحنة حملت دروسًا في الرضا بالقضاء، وتجلت فيها سلامة الصدر في أبهى صورها بعفو الصديق عن مسطح بن أثاثة بعد نزول آيات العفو.

​من جانبها، قدمت الدكتورة رضا إسماعيل، تحليلاً نفسيًا واجتماعيًا لظاهرة الشائعات، مشيرةً إلى أنها تتميز بسرعة الانتشار الفائقة وتغيّر محتواها التشوهي مع كل نقل، مما يثير مشاعر الخوف والغضب العام وقت الغموض والقلق. وحذرت من أن القرآن الكريم نبّه إلى عظم هذا الجرم في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾، مؤكدة أن التناقل العفوي بلا علم يعد ذنبًا مساويًا للصناعة العمدية للشائعة.

​وفصّلت د. رضا إسماعيل، الآثار المدمرة على الضحية، والتي تشمل القلق الدائم، والاكتئاب الجسيم، وفقدان الثقة بالنفس، وصولاً إلى الأعراض الجسدية كالصداع المزمن واضطرابات النوم. وعلى الصعيد المجتمعي، تؤدي الشائعات إلى تشويه السمعة، وتقطيع الأواصر الأسرية والمهنية، وضرب ثقة المجتمع بمؤسساته ونشر الشك والانقسام، مؤكدة أن العلاج الجذري يتلخص في “الصمت الإيجابي” وكف التداول، حيث يُعد التوقف عند سماع الشائعة هو “اللقاح الفعلي” الذي يحمي المجتمع من الفتن.

​وفي السياق ذاته، أشارت الدكتورة سناء السيد، إلى أن حادثة الإفك كانت ابتلاءً إلهيًا زلزل مجتمع المدينة شهراً كاملاً، حتى نزلت آيات البراءة من فوق سبع سموات لترفع الظلم وتؤكد أن حرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة الكعبة المشرفة

​وشددت الباحثة بالجامع الأزهر على خطورة الشائعات في العصر الحالي بفعل منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت الشائعة إلى “سلاح رقمي عابر للقارات” يقطع العالم في أجزاء من الثانية. وبضغطة زر واحدة تهدم السمعة، ويبث الرعب، ويطعن في الشرف والنيات تحت ستار التسلية والمشاركة المعرفية.

​ودعت في ختام كلمتها إلى صيانة اللسان وطهارة المجالس وحماية خصوصية البيوت والأسرار من هوس “المشاركة الرقمية”، مؤكدة على عظيم فضل الذب عن أعراض المسلمين الذي يعد خلقًا نبويًا أصيلاً جازى الشارع صاحبه برد النار عن وجهه يوم القيامة ونصرته في مواطن الحاجة.

زر الذهاب إلى الأعلى