ملتقى المرأة بالجامع الأزهر: الاستئذان مظهر راقٍ لحماية الخصوصية وصون للأعراض
عقد الجامع الأزهر الشريف ندوته الأسبوعية ضمن برامجه التوعوية الموجهة للمرأة والأسرة، والتي جاءت تحت عنوان “فقه الاستئذان وحرمة البيوت”.، بحضور الدكتورة تهاني أبو طالب، أستاذ القانون المدني بجامعة الأزهر، والدكتورة ولاء زغلول، مدرس التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر، والدكتورة سناء السيد، الباحثة بالجامع الأزهر، واللاتي استعرضن أبعاد الخصوصية وحماية المجتمعات من منظور شرعي وقانوني متكامل.
استهلت الدكتورة ولاء زغلول، الحديث بالتأكيد على أن فقه الاستئذان يمثل مظهرًا حضاريًا راقيًا من مظاهر التشريع الإسلامي، إذ يستهدف غرس مكارم الأخلاق، صون الأعراض، وتمتين العلاقات الاجتماعية. وأوضحت أن صلة الأرحام وتفقد الجيران غايات محمودة، إلا أنها مشروطة بالالتزام بالآداب الشرعية التي ترفع الحرج وتضمن التراضي. وأكدت أن الإسلام ضمن للإنسان حقه الأصيل في سكن آمن مطمئن، وحرّم اقتحام البيوت أو التطلع إليها بغير إذن، حمايةً لعورات الخصوصية ومنعًا لتطفل الفضوليين.
واستشهدت د. ولاء زغلول بصريح قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا﴾، موضحةً أن السنة النبوية الشريفة وضعت بروتوكولاً دقيقًا للمستأذن؛ كاستحباب السلام قبل الدخول، وكراهية الوقوف تلقاء الباب مباشرة بل يمنةً أو يسرة اقتداءً بالنبي ﷺ، بالإضافة إلى ضرورة الإفصاح عن الهوية والاسم بوضوح دون إبهام. كما لفتت إلى تغليظ العقوبة النبوية لمن يتلصص بغير إذن بعقوبة تبلغ حد إهدار دية العين المقفوءة لعظم الحرمة، مشددةً على لزوم الاستئذان حتى داخل الأسرة الواحدة ومع الأبناء البالغين والأمهات لئلا تُكشف عورات الجسد أو الخلوة الطارئة.
من جانبها، أكدت الدكتورة تهاني أبو طالب، أن القرآن الكريم وضع للبشرية أسسًا محكمة تضمن للإنسان عيشًا منظمًا مستقرًا تُصان فيه حقوقه وكرامته، لتنطلق طاقاته للإبداع والعطاء بمسؤولية. وبيّنت أستاذ القانون المدني أن القوانين الوضعية في الدولة المصرية جاءت متطابقة صراحةً مع المبادئ القرآنية؛ حيث نص الدستور المصري على حرمة البيوت والحياة الخاصة، وحظر دخولها أو تفتيشها إلا بمسوغ قانوني وإذن قضائي مسبق.
وأوضحت د. تهاني أبو طالب، أن المفهوم القانوني للخصوصية امتد بقوة ليشمل “الفضاء الرقمي”، وجرّم المشرّع اختراق المواقع والحسابات الشخصية والتلصص على البيانات والصور المتبادلة عبر المنصات بدون حق، وهو ما يمثل الصياغة القانونية المعاصرة لجوهر الاستئذان الذي أسسه القرآن في سورة النور. ودعت إلى إطلاق حملات توعوية واسعة للشباب والفتيات لترسيخ “أدب الاستئذان الرقمي” وحظر تجاوز حدود حسابات ورسائل الآخرين، مؤكدة أن انتهاك الحساب الرقمي يعادل قانونًا وعرفًا اقتحام حرمة المنازل في الواقع الحقيقي.
وفي السياق ذاته، حذرت الدكتورة سناء السيد من خطورة ذوبان الفواصل بين العام والخاص في العصر الراهن، حيث تحول الفضول إلى ما يشبه الحق المكتسب، وصارت أسرار الناس مادة للتفكه. ونددت بانتهاك الحرمات عبر “التلصص البصري والسمعي”، والزيارات المفاجئة التي تخالف المنهج القرآني المتمثل في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾، منتقدةً كذلك إفشاء أسرار المجالس بعد المغادرة، ونشر تفاصيل البيوت وعوراتها وأسرارها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وعبرت الباحثة بالجامع الأزهر عن أسفها لظاهرة انتهاك الحرمات تحت ستار “الخِطبة الشرعية”، منتقدةً سلوك بعض الرجال الذين يتخذون بيوت الأسر مضافات مجانية بلا نية جدية أو مسؤولية، فيدخلون بالخديعة والتسلية ثم يمضون بلا مراعاة لكرامة البيت، أو من يظنون أن مجرد قراءة الفاتحة تبيح لهم التطلع على عورات الأسرة وخصوصياتها واقتحام تفاصيلها.
وختمت د. سناء بالتأكيد على القاعدة الأخلاقية الأصيلة: “على المؤمن أن يدخل بيوت الناس أعمى ويخرج أبكم؛ لا يرى عيبًا وإن رآه ستره”، داعية الأسر والمؤسسات التربوية إلى ضرورة غرس هذه الآداب والسنن في نفوس الأبناء؛ لكونها عبادة جليلة تُحفظ بها البيوت آمنة مستورة ومحفوفة بالسكينة والوقار