ملتقى المرأة بالجامع الأزهر: العفة حصن الفرد وسياج المجتمع
عقد الجامع الأزهر الشريف ندوته الأسبوعية المخصصة للمرأة تحت عنوان “أثر العفة في طهارة النفس وحصانة المجتمع”، بمشاركة د.عزة أحمد عبد الرحمن، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر، و د.أميرة جوهر، الأستاذ المساعد بقسم أصول الفقه بجامعة الأزهر، و د.سناء السيد، الباحثة بالجامع الأزهر، حيث تناولت الندوة مفهوم العفة في الإسلام، وسبل ترسيخها، ودورها في حماية الفرد واستقرار المجتمع.
وأكدت د.عزة أحمد عبد الرحمن، أن الشريعة الإسلامية أرست منظومة متكاملة لترسيخ العفة وصيانة المجتمع من الفواحش، انطلاقًا من مقاصدها في حفظ الأعراض وطهارة النفوس، مشيرة إلى أن أولى وسائل الوقاية تتمثل في التحذير من اتباع خطوات الشيطان، والتنبيه إلى أن طهارة النفس فضل من الله وتوفيق منه، وليست ثمرة الاغترار بالنفس.
وأوضحت أن الإسلام دعا إلى العفو والصفح عن التائبين، في الوقت الذي شدد فيه العقوبة على من يخوضون في أعراض المؤمنين دون توبة، كما شرع الاستئذان قبل دخول البيوت حمايةً للعورات، وأمر الرجال والنساء بغض البصر، مقدِّمًا ذلك على حفظ الفرج باعتباره سبيلًا إليه. وأضافت أن من وسائل تعزيز العفة أيضًا الالتزام بالحجاب الشرعي وعدم إبداء الزينة إلا للمحارم، وتشجيع الزواج عبر تقديم العون للراغبين فيه، إلى جانب تحريم إكراه الفتيات على البغاء صونًا لكرامتهن وعفافهن.
من جانبها، أوضحت د. أميرة جوهر أن العفة تعني كف النفس عن الشهوات والمحرمات في السر والعلن، مبينة أن الشريعة الإسلامية جعلت حفظ العرض أحد مقاصدها الكلية الضرورية، وجاءت سورة النور نموذجًا عمليًا لتحقيق هذا المقصد من خلال تشريع الأحكام والحدود التي تصون الأعراض وتحميها.
وأضافت أن الشريعة امتازت بأنها إذا أمرت بطاعة هيأت أسبابها، وإذا نهت عن معصية سدت ذرائعها، فشرعت الزواج حصنًا للمؤمن من الوقوع في الفواحش، وأباحت للخاطب النظر إلى من يرغب في الزواج بها تحقيقًا للألفة والقبول، كما اشتملت سورة النور على منظومة متكاملة من الآداب والأحكام، شملت آداب النظر والاستئذان والسلام، وأحكام العورات، والنهي عن مواطن الريبة والظنون، مع عناية خاصة بالمرأة لما لعفتها من أثر بالغ في صلاح المجتمع واستقامة أخلاقه.
وفي السياق ذاته، أكدت د.سناء السيد أن العفة ليست مجرد الامتناع عن الشهوات، وإنما تمثل أعلى درجات التحرر والسيادة على النفس، حيث يصبح الإنسان مالكًا لقراره لا أسيرًا لرغباته. واستعرضت نماذج مضيئة للعفة في القرآن والسنة، من بينها موقف نبي الله يوسف عليه السلام حين قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾، والسيدة مريم عليها السلام في طهرها وعفافها، ومرثد بن أبي مرثد رضي الله عنه الذي رفض الوقوع في الحرام قائلًا: “إن الله حرم الزنا”.
وأشارت إلى أن العفة تشمل عفة البصر والسمع واللسان والفكر والعاطفة والمظهر واليد، مؤكدة أن اجتماع هذه المعاني يصنع إنسانًا طاهرًا يسهم في بناء مجتمع سليم.
وحذرت الباحثة بالجامع الأزهر من التحديات المعاصرة التي تستهدف إضعاف قيمة العفة، مؤكدة أن العصر الحالي بما يحمله من إغراءات رقمية وخوارزميات تغذي الشهوات يتطلب مزيدًا من الوعي، لافتة إلى أن الانحدار الأخلاقي يبدأ بالاعتياد على المشاهد المستهجنة ثم تبريرها وصولًا إلى المجاهرة بها.
وأوضحت أن من أبرز أسباب ذلك إدمان الإثارة الفورية والفراغ العاطفي، مبينة أن لهذه السلوكيات آثارًا سلبية على الفرد والأسرة، من بينها قسوة القلب، وتشتت الفكر، وضعف النفس، وتفكك الأسرة، في حين وعد الله تعالى المتعففين بحلاوة الإيمان، والحياة الطيبة، والظل يوم القيامة لمن استعف وخشي الله تعالى.