ملتقى التفسير بالجامع الأزهر: الزمن في القرآن آية من آيات الله ودعوة لإعمار الحياة بالطاعة والعمل
عقد الجامع الأزهر، مساء أمس الأحد، ملتقى التفسير ووجوه الإعجاز القرآني الأسبوعي تحت عنوان: “مظاهر الإعجاز في حديث القرآن عن الزمن” وذلك بحضور كل من: أ.د مصطفى براهيم، الأستاذ بكلية العلوم جامعة الأزهر، وأ.د رمضان عبد العزيز ، أستاذ التفسير بجامعة الأزهر، وأدار الملتقى الإعلامي أبو بكر عبد المعطي.
أكد فضيلة الدكتور رمضان عبد العزيز أن القرآن الكريم يمثل المعجزة الخالدة التي خص الله بها سيدنا محمد ﷺ، فهو كتاب لا تنقضي عجائبه ولا تنفد معانيه، وكلما تقدم الإنسان في ميادين المعرفة والبحث العلمي تكشفت له جوانب جديدة من إعجازه، مصداقا لقول النبي ﷺ: «عليكم بالقرآن، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم»، وهذا الحديث يؤكد شمول القرآن لكل ما يحتاج إليه الإنسان في أمر دينه ودنياه، وأنه سيظل مصدرا للهداية والعلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لأن القرآن الكريم لم يأتِ لمجرد سرد القصص أو الأحكام، وإنما جاء ليقيم الحجة على الناس كافة، وليكون دليلا دائما على صدق الرسالة المحمدية، قال تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا}، وبقاء القرآن محفوظا عبر القرون مع استمرار اكتشاف أوجه إعجازه يمثل في ذاته آية عظيمة تدل على أنه كلام الله سبحانه وتعالى.
وأوضح الدكتور رمضان عبد العزيز أن من أبرز صور الإعجاز التي تستحق مزيدا من التدبر ما يتعلق بحديث القرآن الكريم عن الزمن، إذ تناول مفهوم الوقت بصور متعددة، فذكر الساعات والأيام والليالي والشهور والسنين، وربط بينها وبين حركة الكون وسنن الله في الخلق، كما وجه الإنسان إلى إدراك قيمة الزمن بوصفه رأس ماله الذي سيسأل عنه يوم القيامة، والعديد من الإشارات القرآنية المتعلقة بالزمن أصبحت محل دراسة وتأمل في ضوء ما توصل إليه العلم الحديث من حقائق حول طبيعة الزمن واختلاف إدراكه في بعض الحالات الكونية، لأن القرآن سبق إلى الإشارة إلى حقائق لم يكن الإنسان يملك أدوات فهمها عند نزوله، وهو ما ينسجم مع قوله تعالى:﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾، لأن الغاية الأساسية من هذه الآيات ليست مجرد إثبات سبق علمي، وإنما دعوة الإنسان إلى تعظيم الخالق، وحسن استثمار نعمة الوقت في الطاعة والعمل النافع، وعدم الانشغال بزينة الحياة الدنيا، امتثالا لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله﴾، كما أن إدراك قيمة الزمن من أعظم الدروس التي يقدمها القرآن للإنسان في كل عصر.
من جانبه، أكد فضيلة الدكتور مصطفى إبراهيم أن القرآن الكريم هو المصدر الأسمى للحقائق المطلقة؛ لأنه كلام الله سبحانه وتعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن كل ما ورد فيه من أخبار أو سنن أو حقائق كونية يمثل يقينا ثابتا لا يتغير بتغير الزمان أو تطور المعرفة البشرية، قال تعالى: ﴿والوزن يومئذ الحق﴾ لأن الحق في القرآن هو ما ثبت عن الله تعالى، بخلاف ما ينتجه العقل البشري من نظريات واجتهادات تظل بطبيعتها قابلة للمراجعة والتصويب، وتاريخ العلوم يشهد على تغير كثير من النظريات التي اعتبرت في وقت من الأوقات حقائق نهائية، ثم أثبتت الأبحاث اللاحقة قصورها أو الحاجة إلى تعديلها، وهو ما يؤكد ضرورة التمييز بين الحقيقة العلمية الراسخة وبين الفرضيات والنظريات التي لا تزال محل نقاش.
وأشار الدكتور مصطفى إبراهيم إلى أن الحديث عن الزمن في القرآن الكريم ينبغي أن يُتناول من منطلق الإيمان بأن الوحي يقدم حقائق يقينية، بينما يسعى العلم إلى اكتشاف جوانب من هذه الحقائق وفق ما يتوافر له من أدوات ومناهج في كل عصر، ولذلك فإن أي توافق بين الاكتشافات العلمية وما جاء في القرآن ينبغي أن يكون باعثا على مزيد من التأمل والتدبر، لا على إخضاع النصوص القرآنية للتفسيرات المتغيرة للنظريات العلمية، كما أن القرآن الكريم جاء ليهدي الإنسان إلى الإيمان بالله، ويقيم الأدلة على قدرته ووحدانيته من خلال آيات الكون والخلق، ولذلك فإن الإشارات الكونية الواردة فيه تحمل دلالات إيمانية وعلمية في آنٍ واحد، لذلك فإن الجمع بين الإيمان الصحيح والعلم الرصين هو السبيل إلى بناء وعي متوازن، يدرك أن الوحي الإلهي يمثل الحقيقة الثابتة، وأن العلم وسيلة لفهم جانب من سنن الله في الكون، وكلما تقدم الإنسان في البحث والمعرفة ازداد يقينا بعظمة الخالق وإحكام خلقه.