الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر: عقد الوكالة من العقود التي جاءت بها الشريعة الإسلامية بغرض التيسير على الناس

عقد الجامع الأزهر مساء الاثنين، اللقاء الأسبوعي للملتقى الفقهي (رؤية معاصرة) تحت عنوان: ” فقه المعاملات.. أحكام الوكالة “رؤية معاصرة”: بحضور أ.د محمد صلاح حلمي، رئيس قسم أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون- جامعة الأزهر، وأ. د أحمد محمد نجيب عوضين، أستاذ الشريعةالإسلامية بكلية الحقوق – جامعة القاهرة ، وأدار الملتقى الإعلامي محمد مصطفى يحيى، المذيع بإذاعة القرآن الكريم.

قال الدكتور محمد نجيب عوضيين، إن عقد الوكالة يعد من العقود التي جاءت بها الشريعة الإسلامية بغرض التيسير على الناس، وتحقيقا لمصالحهم، خاصة أن الإنسان قد يمتلك المال أو الحق، لكنه قد يفتقر إلى الخبرة أو القدرة أو الوقت اللازم لإدارة شؤونه بنفسه، ومن هنا جاءت مشروعية الوكالة استنادا إلى القاعدة الفقهية: “كل ما جاز للإنسان أن يباشره بنفسه جاز له أن يوكل فيه غيره”، ما دام ذلك في دائرة المباح شرعا، لذلك فإن الوكالة من العقود الجائزة التي تقوم على الثقة والأمانة، إلا أن حكمها يختلف باختلاف موضوعها؛ فقد تكون مباحة في أصلها، وقد تصبح واجبة إذا تعلقت بأداء حق لا يمكن لصاحبه القيام به بنفسه، كمن أوصى بالحج عنه بعد وفاته ولم يكن قد أدى الفريضة، وقد تكون مندوبة إذا ترتب عليها تحقيق مصلحة راجحة، وقد تُكره إذا تعلقت بأعمال لا فائدة منها أو كان الأولى أن يباشرها الإنسان بنفسه، بينما تكون محرمة إذا كانت وسيلة إلى ارتكاب محرم أو الإعانة على معصية، لأن الشريعة لا تجيز التوكيل فيما يخالف أحكامها أو يتعارض مع القوانين المنظمة التي لا تخالف الشرع

وأضاف الدكتور محمد نجيب عوضيين أن الحكمة من تشريع الوكالة تتمثل في رفع الحرج عن الناس، وتسهيل معاملاتهم، وتحقيق التعاون بينهم، إذ قد يمتلك الإنسان الأموال أو الحقوق لكنه لا يحسن إدارتها، فيوكل من يملك الخبرة والكفاءة ليقوم مقامه في التصرف بما يحقق مصلحته، سواء كان ذلك على سبيل التطوع أو مقابل أجر يتفق عليه الطرفان، كما أن عقد الوكالة ليس عقدا مستقلا، وإنما هو عقد تابع يرتبط بعقد أصلي أو تصرف قانوني قائم، فلا توجد وكالة مجردة عن محلها، وإنما تكون مرتبطة ببيع أو شراء أو إيجار أو غير ذلك من التصرفات المشروعة، ولذلك فإن صحة الوكالة ترتبط بصحة التصرف الأصلي الذي أنشئت من أجله، فإذا كان الأصل مشروعا صحت الوكالة، وإذا كان غير مشروع بطلت الوكالة تبعا له، وهو ما يعكس دقة التشريع الإسلامي في تنظيم المعاملات وربط الوسائل بمقاصده.

ومن جانبه، أكد فضيلة الدكتور محمد صلاح أن الوكالة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي من العقود التي أقرتها الشريعة الإسلامية لحاجة الناس إليها في مختلف شؤون حياتهم، وهناك العديد من النصوص القرآنية التي تدل على مشروعيتها، منها قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾، حيث يقوم الحكمان مقام الزوجين في محاولة الإصلاح بينهما، وكذلك قوله تعالى على لسان نبي الله يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾، وهو نوع من الولاية والنيابة في إدارة الأموال العامة، إضافة إلى قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾، وفيها توكيل أحد أصحاب الكهف لشراء الطعام نيابة عن الباقين، وهو ما يدل على أن الوكالة كانت مشروعة في الشرائع السابقة أيضا، ووكل النبي ﷺ أبا رافع في إتمام عقد زواجه من أم سلمة رضي الله عنها، كما وكل عروة البارقي رضي الله عنه في شراء أضحية، وهو ما يؤكد أن الوكالة من التصرفات المشروعة التي جرى عليها العمل في عهد النبوة.

وأوضح فضيلة الدكتور محمد صلاح أن لعقد الوكالة أركانا وشروطا لا بد من توافرها حتى يكون صحيحا، أولها الموكّل، وهو صاحب الحق أو المصلحة، ويشترط أن يكون كامل الأهلية، مالكا لحق التصرف فيما يوكل فيه غيره، وثانيها الوكيل، ويشترط أن يكون عاقلا قادرا على تنفيذ ما وكل به، وأن يحسن التصرف فيما أسند إليه من أعمال، وثالثها الصيغة، وهي الإيجاب والقبول، ويشترط أن تكون واضحة وصريحة، وألا تكون معلقة على شرط يفسد العقد، أما الركن الرابع فهو محل الوكالة، ويشترط أن يكون معلوما، ومملوكا أو داخلاً في ولاية الموكل، مبينا أن الوكالة تصح في بعض الجوانب القضائية، فقد كان النبي ﷺ يوكل بعض الصحابة في إقامة الحدود وتنفيذها، كما تجوز في مسائل القصاص عند توافر شروطها، بينما لا تصح في الشهادة؛ لأن أداء الشهادة يتعلق بعلم الشاهد ويقينه،
وهو أمر شخصي لا يقبل الإنابة، مما يبرز دقة التشريع الإسلامي في التفرقة بين التصرفات التي تقبل النيابة وتلك التي تتعلق بذات الشخص ولا يجوز أن يحل فيها غيره محله.

زر الذهاب إلى الأعلى