رسم المصحف وضبطه وصنائعه والفرق بين ضبط المشارقة والمغاربة ضمن محاضرات برنامج الترسيخ العلمي لتأهيل الكوادر الجامعية

في إطار الجهود العلمية التي تبذلها هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف لتأهيل الكوادر الجامعية والأكاديمية وتعزيز كفاءتها العلمية، بما يُسهم في إعداد كوادر أزهرية قادرة على التعامل مع القضايا العلمية والفكرية وفق المنهج الأزهري الرصين، ألقى فضيلة الدكتور/ أبو اليزيد علي سلامة، مدير عام شؤون القرآن الكريم بالأزهر الشريف، والباحث بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، محاضرةً للسادة أعضاء الهيئة المعاونة بجامعة الأزهر بعنوان: «تاريخ المصحف ورسمه وضبطه وصنائعه»، وذلك ضمن برنامج الترسيخ العلمي الذي تعقده هيئة كبار العلماء برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر أ.د أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف حفظه الله تعالى وبإشراف فضيلة أ.د عباس شومان الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف
وفي بداية المحاضرة، استعرض المراحل التاريخية التي مر بها جمع القرآن الكريم وكتابته وفق هيئة مخصوصة عُرفت بالرسم العثماني.
وأوضح أن رسم المصحف هو الكيفية الفريدة التي ارتُضيت لكتابة كلمات القرآن الكريم، مشيرًا إلى أنه يتميز بخصائص قد تختلف عن الرسم الإملائي المعتاد وعن الرسم العروضي، ومن أبرزها: الحذف، والزيادة، والقطع، والوصل.وأشار إلى أن المصاحف العثمانية كُتبت في بداية الأمر خاليةً من النقط والتشكيل، بما يتناسب مع طبيعة الكتابة العربية في ذلك العصر، وبما يحتمل وجوه القراءات القرآنية الصحيحة، ثم ظهرت الحاجة إلى وضع العلامات والرموز التي تُعين على سلامة القراءة.
وفي سياق حديثه عن ضبط المصحف، بيّن أن الضبط يشمل العلامات التي أضيفت إلى الرسم العثماني لتسهيل التلاوة وحفظ الألسنة من الخطأ، ومن ذلك الحركات، ونقط الإعجام، والشدة، والسكون، وعلامات المد، ورموز الوقف والابتداء.
كما تناولت المحاضرة الفرق بين طريقتي المشارقة والمغاربة في ضبط المصحف، موضحًا أن المدرستين تتفقان في الغاية، وهي صيانة ألفاظ القرآن الكريم من الخطأ والتصحيف، ولكنهما تختلفان في هيئة بعض العلامات ومواضعها وطريقة استعمالها؛ فقد جرى عمل المشارقة غالبًا على علامات الخليل بن أحمد وأتباعه، بينما اعتمد المغاربة اصطلاحات مدرسة الإمام أبي عمرو الداني وما تفرع عنها، وظهر ذلك في طريقة ضبط بعض الحركات والتنوين والهمز والإمالة والإشمام، وكذلك في نقط بعض الحروف.
وأوضح فضيلته أن هذه الاختلافات لا تمس ألفاظ القرآن الكريم أو معانيه، وإنما هي اصطلاحات فنية وضعها علماء الضبط لخدمة القراءة وتيسيرها، مؤكدًا أهمية معرفة القارئ بهذه الفروق؛ حتى لا يلتبس عليه فهم بعض العلامات عند الانتقال من مصحف مضبوط على الطريقة المشرقية إلى مصحف مضبوط على الطريقة المغربية.
كما أوضح الفرق بين رسم المصحف وضبطه، مؤكدًا أن الرسم يتعلق بهيئة الكلمة وذوات حروفها وطريقة كتابتها، بينما يتعلق الضبط بالعلامات الخارجية التي تلحق بالحروف.
وأكد أن الالتزام بالرسم العثماني في كتابة المصاحف واجب؛ لأنه الرسم الذي كُتبت به المصاحف بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم، كما أن موافقته تُعد أحد أركان قبول القراءة القرآنية، أما الضبط بالنقط والشكل والعلامات، فقد وُضع باجتهاد علماء الأمة خدمةً لكتاب الله تعالى، وتيسيرًا لتلاوته، وحفظًا له من الخطأ واللحن.وتناولت المحاضرة ما يتعلق بصنائع المصحف الشريف، وما تتطلبه كتابته وضبطه ومراجعته من دقة علمية وأمانة شرعية، مؤكدًا أن العناية بالمصحف ليست عملًا فنيًّا فحسب، وإنما هي مسؤولية علمية تقوم على الالتزام بقواعد الرسم والضبط والقراءات، والتحري الكامل في المراجعة والتدقيق.
وفي ختام المحاضرة، ناقش مع الباحثين عددًا من المسائل المتعلقة بتاريخ المصحف الشريف، والفروق بين الرسم العثماني والرسم الإملائي، وبين طريقتي المشارقة والمغاربة في الضبط، إلى جانب ضوابط كتابة المصاحف ومراجعتها.

زر الذهاب إلى الأعلى