ملتقى المرأة بالجامع الأزهر.. د. فريدة محمد علي: الإسلام لا يمنع عمل المرأة بل يشجعها على البناء في إطار الأخلاق

د. تهاني أبو طالب: القوانين المصرية تتماشى مع الثوابت الدينية وتحمي الطبيعة الفطرية للمرأة

د. حياة العيسوي: الأمة تحتاج إلى امرأة ناجحة مهنيًّا وأخلاقيًّا.. والعمل عبادة بالنية الصالحة

شهد الجامع الأزهر الشريف انعقاد ملتقاه الأسبوعي الفقهي والفكري الموجَّه للمرأة، والذي جاء هذا الأسبوع تحت عنوان: “آداب وأخلاقيات عمل المرأة في الإسلام”، وتناول التأصيل الشرعي لعمل المرأة، والضوابط القانونية في التشريع المصري التي تحمي حقوقها وتصون فطرتها، بالإضافة إلى استعراض نماذج مضيئة من التاريخ الإسلامي لنساء سطّرن نجاحات مهنية واجتماعية بارزة.

واستهلت الدكتورة فريدة محمد علي، أستاذ البلاغة والنقد وعميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بنات بالقاهرة، حديثها بالتأكيد على أن الإسلام حثَّ على العمل النافع بكل صوره، وجعل الكسب المشروع من الأعمال الصالحة التي يُثاب عليها الإنسان متى اقترنت نيته بالإخلاص والالتزام بالقيم.

وأوضحت د. فريدة أن الإسلام كرّم المرأة ومنحها حقوقًا كاملة تحفظ كرامتها ومكانتها في المجتمع، ومن أبرز هذه الحقوق حقها في ممارسة العمل المشروع الذي يحقق لها ولأسرتها ولمجتمعها النفع، شريطة الالتزام بالضوابط الشرعية والآداب الإسلامية.

وأضافت: “إن عصر النبي ﷺ شهد مشاركة فاعلة ومتميزة للنساء في مجالات متنوعة، منها التجارة، والتعليم، والطب، والتمريض، والزراعة، مع التزامهن التام بالقيم الأخلاقية وأحكام الشريعة. ومن ثمَّ، فإن الإسلام لا يمنع المرأة من العمل، بل يشجعها على المشاركة الإيجابية في تنمية المجتمع، ما دام عملها مشروعًا، قائمًا على الأخلاق الفاضلة، ومحققًا للمصلحة، وخاليًا من كل ما يتعارض مع تعاليم الدين الحنيف”.

ومن جانبها، قدمت الدكتورة تهاني أبو طالب، أستاذ القانون المدني المساعد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقاهرة، قراءة قانونية واجتماعية متميزة، مؤكدة أن التنظيم القانوني للعمل والوظائف العامة في مصر يلزم المخاطبين به بأن يكون سلوكهم متماشيًا مع مقتضيات الواجب الوظيفي، والالتزام بالأخلاق والآداب العامة التي تضمن الحفاظ على القيم الدينية والمجتمعية السائدة.

وأشارت د. تهاني إلى أن القانون يعتبر الظهور بمظهر غير لائق، أو التواجد في أوضاع مخلة، أو التلفظ بألفاظ خارجة أو خادشة للحياء، خروجًا جسيمًا على مقتضى الواجب الوظيفي للرجال والنساء على حد سواء، ويوجب المحاسبة القانونية؛ مما يدل على أن القوانين في مصر تتماشى مع الثوابت الدينية وتدعو إلى ترسيخ القيم الأخلاقية.

وتابعت أستاذ القانون المدني: “لم يقف الأمر عند حد منع القانون للتجاوزات، بل امتد ليضمن للمرأة الاحتفاظ بمكتسباتها التي منحتها لها الشريعة الإسلامية؛ فقد سمح المشرع للمرأة بالعمل في مختلف المجالات، مراعيا في الوقت ذاته ما قد يعتريها من فترات ضعف، وما قد يتعارض مع فطرتها وطبيعتها؛ ولذلك منع القانون تشغيل النساء في الأعمال الشاقة والضارة صحيًّا وأخلاقيًّا، وحدد الحالات التي يجوز تشغيل النساء فيها ليلًا”.

كما أكدت أن القانون حافظ للمرأة على دورها المحوري في الأسرة؛ فأعطاها الحق في الحصول على إجازة وضع، وإجازة لرعاية طفلها، واستراحة للرضاعة في قطاعي العمل الحكومي والخاص على حد سواء، وهو ما يعكس حرص المشرع على الحفاظ على القيم الأسرية والأخلاقية، حتى لا تضيع في ظل انخراط المرأة في دولاب العمل اليومي.

وفي السياق ذاته، أكدت الدكتورة حياة حسين العيسوي، الباحثة بالجامع الأزهر، أن الإسلام سبق الكثير من النظم الحديثة في إقرار حق المرأة في التعلم، والتملك، والعمل المشروع، لكنه جعل هذا الحق مرتبطًا بالأخلاق والمسؤولية؛ فالقضية ليست مجرد خروج للعمل، وإنما كيفية أداء المرأة لعملها بما يرضي الله تعالى.

واستعرضت د. حياة مجالات عمل المرأة المعاصرة كالطب، والتعليم، والبحث العلمي، والإدارة، والإعلام، والعمل الخيري، مشيرة إلى أن الإسلام يشجع كل عمل نافع، لافتة إلى أن واقعنا اليوم يتطلب عدة مقومات أساسية لنجاح المرأة العاملة، ومنها:

– استحضار النية الصالحة؛ ليكون العمل عبادة تُثاب عليها إذا قصدت به رضا الله وخدمة المجتمع.

– الإخلاص وإتقان العمل؛ فهما من أعظم أسباب النجاح والتوفيق.

– الالتزام بالصدق والأمانة، وحفظ أسرار العمل ومقدراته.

– احترام الزملاء، وحسن التعامل معهم بعيدًا عن التجريح أو الغيبة.

– المحافظة على الحياء والوقار في الملبس والكلام والسلوك العام.

– تحقيق التوازن بين متطلبات العمل وواجبات الأسرة، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر.

وشددت الباحثة بالجامع الأزهر على أن المرأة المسلمة اليوم تمثل قدوة حقيقية في شتى الميادين؛ فهي المعلمة التي تربي الأجيال، والطبيبة التي تخفف الآلام، والباحثة التي تسهم في تقدم العلم، والموظفة التي تؤدي عملها بأمانة، والواعظة التي تنشر القيم.

وتابعت: إن الأمة لا تحتاج إلى امرأة ناجحة في عملها فقط، بل تحتاج إلى امرأة ناجحة في أخلاقها أيضًا؛ فالأخلاق هي التي تمنح النجاح بركته، والعمل قيمته، وصاحبه احترامه في الدنيا وثوابه في الآخرة.

واختتمت الندوة باستعراض عدد من النماذج النسائية المشرفة في التاريخ الإسلامي، والتي تُعد نبراسًا للمرأة العاملة اليوم، ومنها:

– السيدة خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها): التي كانت تاجرة ناجحة بارزة، عُرفت بالصدق والأمانة، وسخّرت مكانتها لدعم رسالة الإسلام الأولى.

– السيدة أسماء بنت أبي بكر (رضي الله عنهما): التي ضربت أروع الأمثلة في مساندة زوجها، والعمل الجاد، والصبر على مشاق الحياة اليومية.

– السيدة الشفاء بنت عبد الله (رضي الله عنها): التي كانت من عالمات الصحابة، ووثِق في كفاءتها وعلمها عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، فأذن لها بالإشراف على الحسبة وإدارة السوق.

– ابنتا الرجل الصالح في قصة موسى عليه السلام: اللتان خلّد القرآن الكريم قصتهما، لتؤكد الآية الكريمة: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ أن معيار الاختيار والنجاح في أي عمل، للرجل والمرأة على حد سواء، يقوم على ركيزتين أساسيتين هما: القوة (الكفاءة المهنية) والأمانة (الأخلاق الفاضلة).

كما تناول الملتقى أبرز الضوابط الشرعية والأخلاقية التي ينبغي أن تراعيها المرأة في عملها، مؤكدًا أن الإسلام أباح للمرأة العمل، وجعله مجالًا للإعمار والإصلاح متى التزمت بالضوابط الشرعية والقيم الأخلاقية، ومن أهمها:

أن يكون العمل مباحًا، ومحققًا للنفع العام، والالتزام بالحجاب الشرعي والاحتشام، والتحلي بالأمانة والإخلاص وإتقان العمل، والبعد عن الخلوة المحرمة وكل ما يفضي إلى الفتنة.

وأشار الملتقى إلى أن الالتزام بهذه الضوابط والأخلاق يثمر آثارًا طيبة على الفرد والمجتمع، من أهمها: نيل رضا الله تعالى، واكتساب ثقة الناس واحترامهم، والإسهام في نجاح مؤسسات العمل وخدمة المجتمع، وتحقيق السكينة والبركة في الرزق.

زر الذهاب إلى الأعلى