ملتقى التفسير بالجامع الأزهر: عناية الإسلام بالقلب ليست عناية بمشاعر الإنسان فحسب، وإنما بمنظومة القيم التي تنعكس على حياته كلها

واصل الجامع الأزهر، مساء أمس الأحد فعاليات ملتقى التفسير ووجوه الإعجاز القرآني الأسبوعي تحت عنوان: “مظاهر الإعجاز في حديث القرآن عن القلب والفؤاد” وذلك بحضور كل من؛ أ.د. محمد سليمان أستاذ التفسير وعلوم القرآن ووكيل كلية القرآن الكريم بطنطا، وأ.د. أحمد كامل العوضي، أستاذالطب النفسي بكلية الطب جامعة الأزهر، وأدار الملتقى الدكتور رضا عبد السلام، الرئيس السابق لإذاعة القرآن الكريم.

قال فضيلة الدكتور محمد سليمان، إن القرآن استخدم ثلاثة ألفاظ للدلالة على باطن الإنسان ومشاعره، هي: “الصدر” و”القلب” و”الفؤاد”، وبين هذه الألفاظ فروق دقيقة؛ فالصدر هو أوسع هذه المصطلحات، إذ يضم القلب والفؤاد، ولذلك جاء التعبير القرآني جامعا بين هذه المعاني في قوله تعالى: ﴿أ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تعمى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، بما يؤكد اتساع مفهوم الصدر واحتواءه للقلب، والقلب سمي قلبا لكثرة تقلبه وتغيره، وهو محل الإيمان والاعتقاد، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “يا مُقَلِّبَ القلوب، ثَبِّت قلبي على دينك”، وهو دعاء يعكس إدراكا عميقا لطبيعة القلب وتقلب أحواله وحاجته الدائمة إلى الثبات والهداية، أما الفؤاد، فيشير إلى القلب في حال شدة التأثر والانفعال والتعلق، وهو ما يتضح في قصة أم موسى عليها السلام، حين قال الله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فجاء التعبير بـ “الفؤاد” لبيان شدة الانفعال وعمق التعلق، ثم جاء ذكر القلب في قوله: “لولا أن ربطنا على قلبها”، في إشارة إلى الانتقال من شدة التأثر والانفعال إلى الثبات والطمأنينة، كما قال تعالى في وصف عذاب النار: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾، فجاء ذكر الأفئدة في مقام يتصل بأعمق مواضع الألم والتأثر، بما يكشف ثراء الدلالة القرآنية في التفريق بين هذه الألفاظ.

وأضاف فضيلة الدكتور محمد سليمان أن القلب يحتل مكانة محورية؛ فهو محل الإيمان والتقوى والخشية، ومركز الصلاح والفساد المعنوي، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: “التقوى هاهنا”، وأشار إلى صدره ثلاث مرات، في إشارة إلى أن حقيقة التقوى تبدأ من القلب وتظهر آثارها على سلوك الإنسان وجوارحه، كما أن القرآن ربط بين القلب والطمأنينة، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ وربط بين القلب والسكينة والثبات، فقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ كما وصف القرآن حال المؤمنين عند ذكر الله فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، فالوجل هنا خشية ممزوجة بالتعظيم والخوف من الله، وهو من علامات حياة القلب وسلامته، وفي المقابل، تحدث القرآن عن أمراض القلوب، فقال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وتدخل في أمراض القلوب صور متعددة من الانحراف، كالنفاق والحسد والرياء والكبر وسوء القصد، وهي أمراض قد لا تُرى بالعين، لكنها تظهر آثارها في أقوال الإنسان وأفعاله وعلاقاته بالآخرين؛ ومن هنا فإن عناية الإسلام بالقلب ليست عناية بمشاعر الإنسان فحسب، وإنما بمنظومة القيم والإيمان والسلوك التي تنعكس على حياته كلها.

من جانبه، قال الدكتور أحمد كامل العوضي، أستاذ الطب النفسي بكلية الطب جامعة الأزهر، إن النظر إلى القلب من الناحية الطبية يكشف عن جانب كبير من الإعجاز في خلق الإنسان؛ فهذه العضلة الصغيرة تقوم بوظيفة بالغة التعقيد والدقة، وتبدأ في العمل خلال المراحل المبكرة من تكوّن الجنين، ثم تستمر في أداء وظيفتها بصورة متواصلة حتى نهاية حياة الإنسان، من دون أن يحتاج الإنسان إلى إصدار أمر مع كل نبضة من نبضاته، والقلب يضخ في المتوسط نحو خمسة لترات من الدم في الدقيقة لدى الإنسان البالغ في ظروف الراحة، وهو ما يعادل آلاف اللترات يوميا، بما يكشف عن حجم العمل الذي يؤديه هذا العضو بصورة مستمرة ودقيقة، كما أن كفاءة القلب وحجمه ومعدل عمله تتناسب مع طبيعة الكائن الحي وحجمه واحتياجاته الحيوية؛ فالقلب لدى الإنسان يختلف في حجمه ومعدلات عمله عن القلب لدى الحيوانات كبيرة الحجم، ومع ذلك يؤدي كل منهما الوظيفة الأساسية التي تضمن استمرار الحياة وفقا لطبيعة الجسم الذي ينتمي إليه، وهذا النظام الدقيق لا يعمل بصورة منفصلة عن بقية أجهزة الجسم، وإنما يرتبط بمنظومة عصبية تساعد على تنظيم ضربات القلب وضغط الدم وتدفق الدم بما يتناسب مع احتياجات الإنسان المختلفة؛ فعندما يبذل الإنسان مجهودا أو يواجه موقفا مثيرا للخوف أو الانفعال، تتغير سرعة ضربات القلب وقوة انقباضه بصورة تلقائية، وهو ما يكشف عن شبكة دقيقة من التواصل بين القلب والجهاز العصبي وبقية أعضاء الجسم.

وأضاف الدكتور أحمد كامل العوضي أن العلاقة بين القلب والدماغ أكثر تعقيدا، والعلم الحديث كشف عن وجود شبكة عصبية داخل القلب تشارك في تنظيم وظائفه وفي التواصل المتبادل بينه وبين الدماغ، ولذلك لم يعد من الدقة النظر إلى القلب باعتباره مجرد مضخة ميكانيكية للدم، بل هو عضو حيوي يتفاعل باستمرار مع الجهاز العصبي ومع الحالة النفسية والانفعالية للإنسان، فالقلب يتأثر بالحالة النفسية كما تؤثر الحالة الجسدية في المشاعر والانفعالات، ومن هنا يمكن فهم عمق التعبير القرآني حين يجعل للقلب صلة بالتعقل والفقه والطمأنينة والوجل والتقوى، فالقلب في الخطاب القرآني ليس مجرد عضو جسدي، وإنما مفهوم أوسع يتصل بباطن الإنسان ووجدانه وإيمانه وإرادته، وتظهر آثاره في سلوكه وعلاقته بالله وبالناس.

زر الذهاب إلى الأعلى