«مقاصد الشريعة في الأحكام الفقهية».. أمين سر هيئة كبار العلماء يوضح أسرار اختلاف الفقهاء

الأحكام الشرعية لم تأتِ مجردة عن الحكم والمصالح، وإنما انتظمت في بناء تشريعي يجمع بين دلالة النص ومقصده.

في إطار برنامج الترسيخ العلمي في العلوم الشرعية والعربية، الذي تنظمه هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، ألقى فضيلة الأستاذ الدكتور علي مهدي، أمين سر هيئة كبار العلماء، محاضرةً علميةً في الفقه بعنوان «مقاصد الشريعة في الأحكام الفقهية»، تناول فيها جملةً من القضايا الفقهية التي تكشف عن دقة الصنعة الفقهية، وعمق اتصال الأحكام بمقاصدها وعللها وغاياتها.
استهل فضيلته المحاضرة ببيان أن الأحكام الشرعية لم تأتِ مجردةً عن الحِكَم والمصالح، وإنما انتظمت في بناء تشريعي محكم، يجمع بين دلالة النص ومقصده، وبين صورة الحكم والمعنى الذي شُرع من أجله؛ ومن ثَمَّ كان إدراك مقاصد الأحكام معينًا للفقيه على حسن الفهم، ودقة الاستنباط، وصحة تنزيل الحكم على محلِّه.
وأوضح أن النظر المقاصدي لا يعني العدول عن النصوص أو تجاوز دلالاتها، بل هو نظرٌ يستمد مشروعيته منها، ويكشف عن أسرارها التشريعية، ويربط الفروع بأصولها، والجزئيات بكلياتها؛ حتى لا ينحصر الفقه في ظواهر الصور، ولا ينفصل في الوقت نفسه عن سلطان الدليل.
ومن المسائل التي وقف عندها فضيلته مسألة النية في الطهارة، وما يتصل بها من اختلاف النظر الفقهي في اشتراطها، مبينًا أثر تصور حقيقة العبادة ومقصودها في بناء الحكم، وعارض في هذا السياق القول باشتراط النية في الوضوء وعدم اشتراطها في التيمم، وما ينبني على ذلك من نظر في حقيقة كلٍّ منهما ووظيفته الشرعية.
ويكشف هذا المثال عن أهمية البحث في المعاني التي تتعلق بالأحكام؛ إذ قد تتشابه بعض الفروع في غايتها العامة، ثم تختلف أنظار الفقهاء فيها تبعًا لاختلافهم في تكييف الفعل: أهو عبادة مقصودة لذاتها تفتقر إلى النية، أم وسيلة شرعية يتحقق المقصود منها بحصول صورتها وشروطها؟
ثم تناول فضيلته جانبًا من خلاف الفقهاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وما ترتب على اختلافهم في دلالة الملامسة على اختلاف الأحكام المتعلقة بنقض الوضوء؛ إذ حمل فريق اللفظ على حقيقته في مس البشرة، بينما ذهب آخرون إلى أن المراد به الجماع، وتوسطت أقوال أخرى في المسألة بشروط وتفصيلات معلومة في كتب الفقه.
وبيَّن هذا الخلاف كيف تتداخل الدلالة اللغوية مع الصناعة الأصولية والفقهية؛ فاللفظ الواحد قد تتعدد وجوه حمله بحسب استعمال العرب، والسياق القرآني، والآثار الواردة، والجمع بين الأدلة، فينشأ عن اختلاف مناهج النظر اختلافٌ معتبر في الحكم الفقهي.
ومن القضايا الدقيقة التي أثارها فضيلته كذلك قضية تكرار فروض الكفايات بعد حصولها، متخذًا من صلاة الجنازة مثالًا لذلك؛ فإذا صلى على الميت من تتحقق بهم الكفاية وسقط الإثم عن الباقين، فهل يجوز أن تتكرر صلاة الجنازة على الشخص نفسه من جماعة أخرى بعد أداء الفرض أول مرة؟
وأبرزت هذه المسألة الفرق بين سقوط فرض الكفاية بأداء البعض وبين إمكان تكرار الفعل بعد تحقق الكفاية؛ فالحكم بسقوط الطلب عن الجماعة لا يستلزم بالضرورة امتناع الفعل بعد ذلك، وإنما يحتاج جواز التكرار أو منعه إلى نظر مستقل في الأدلة ومقصود العبادة وطبيعة الفعل الشرعي.
وفي هذا السياق ظهر أثر المقاصد في فهم الأحكام؛ إذ المقصود من صلاة الجنازة الدعاء للميت والشفاعة له والقيام بحقه، وهو ما يفتح مجال النظر في مدى مشروعية تكرار الصلاة عليه، مع مراعاة ما ورد من أدلة وآثار وما قرره الفقهاء في هذه المسألة.
وأكدت المحاضرة من خلال هذه التطبيقات أن الخلاف الفقهي ليس مجرد اختلاف في النتائج، وإنما تقف وراءه مناهج في فهم النص، وتحقيق مناط الحكم، والنظر في العلة والمقصد، والجمع بين الأدلة وترتيبها وترجيح بعضها على بعض.
كما يتجلى من هذه الفروع أن معرفة لسان العرب ضرورة للفقيه؛ إذ كثير من الاختلافات الفقهية ترجع في أصلها إلى احتمالات الدلالة اللغوية، كما في لفظ «لامستم»، ومن هنا تتأكد الصلة الوثيقة بين علوم العربية وعلوم الشريعة، وهي الصلة التي يقوم عليها منهج الترسيخ العلمي في الجمع بين العلمين.
وبيَّن فضيلته أن المقاصد لا تُستعمل بمعزل عن قواعد الفقه وأصوله، بل تعمل في دائرتها؛ فالنص يؤسس الحكم، والأصول تضبط طريق الاستنباط، والمقاصد تكشف عن الغاية والمعنى، والفقه يجمع هذه العناصر جميعًا في بناء متكامل.
وتكشف الأمثلة التي عرضتها المحاضرة عن سعة الفقه الإسلامي وقدرته على استيعاب تعدد الأنظار الاجتهادية، وأن اختلاف الفقهاء إذا صدر عن أصول معتبرة لا يُعد اضطرابًا في الشريعة، بل شاهدًا على ثرائها ومرونتها واتساع دلالاتها.
وانتهت المحاضرة إلى أن فقه المقاصد ليس علمًا منفصلًا عن فقه الأحكام، وإنما هو بُعد أصيل في فهمها؛ فكلما أحسن الفقيه الجمع بين النص ومعناه، والحكم ومقصده، والجزئي وكليِّه، كان أقرب إلى مراد الشارع وأدق في تنزيل الأحكام على الوقائع.
وبذلك جاءت المحاضرة نموذجًا تطبيقيًّا يجمع بين التأصيل المقاصدي والتحليل الفقهي، ويؤكد أن رسوخ الملكة الفقهية لا يتحقق بحفظ الأحكام وحدها، وإنما بفهم مداركها، وإدراك عللها، ومعرفة وجوه اختلاف الفقهاء فيها؛ ليظل الفقه علمًا حيًّا يجمع بين أصالة النص، ودقة النظر، ووعي المقصد.

زر الذهاب إلى الأعلى