ضِمن الأسبوع الدعوي الـ22 في جامعة الإسكندريَّة..ندوة (البحوث الإسلاميَّة) تسلِّط الضوء على ركائز الوعي ومقوِّماته

عميدة كليَّة التمريض: أُوصِي الشباب بالقراءة عن تاريخ الأزهر لإدراك قيمته ودوره في خدمة الدِّين والمجتمع

الأمين المساعد لـ(البحوث الإسلاميَّة): القلب والعقل والخُلُق.. ثلاثيَّة الوعي التي تحفظ هُويَّة المجتمع واستقراره

عضو أمانة (العُليا للدعوة): القرآن الكريم أرشدنا إلى منهجيَّة التعامل مع المعرفة بالرجوع إلى أهل الذِّكر

عقد مجمع البحوث الإسلامية، صباح اليوم الثلاثاء، ندوةً في كليَّة التمريض بجامعة الإسكندريَّة تحت عنوان: (ركائز الوعي ومقوِّماته)، وذلك ضِمن فعاليَّات الأسبوع الدعوي الثاني والعشرين، الذي تُنظِّمه اللجنة العُليا للدعوة بالمجمع في جامعة الإسكندريَّة تحت عنوان: (مقوِّمات الوعي في عصر الانفتاح المعرفي)، برعايةٍ كريمةٍ من فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيِّب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف فضيلة الشيخ أيمن عبد الغني، وفضيلة أ.د. محمد الجندي، الأمين العام للمجمع، وذلك بحضور: أ.د. حنان الشربيني، عميدة كليَّة التمريض بالجامعة، والدكتور محمود الهوَّاري، الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الدِّيني بالمجمع، والدكتور حسن يحيى، الأمين العام المساعد للجنة العُليا لشئون الدعوة بالمجمع، والشيخ يوسف المنسي، عضو أمانة اللجنة العُليا لشئون الدعوة بالمجمع.

في بداية الندوة، أعربت أ.د. حنان الشربيني عن تقديرها لحرص الأزهر الشريف على التواصل مع الشباب من خلال مبادرة (الأسبوع الدعوي) لشباب الجامعات، التي تمثِّل مساحةً للحوار المباشر؛ مؤكِّدةً أنَّ التواصل مع الأجيال الجديدة والاستماع إلى أفكارهم واهتماماتهم يعزِّز وعيهم، وأنَّ الأزهر -عبر تاريخه- اضطلع بهذا الدَّور على أتمِّ وجه؛ لذلك أُوصِي الشباب بالقراءة عن تاريخ الأزهر؛ حتى يدركوا قيمة هذه المؤسَّسة ودَورها في خدمة الدِّين والمجتمع.

وفي كلمته، قال الدكتور محمود الهواري: إنَّ المشكلة الأساسيَّة في غياب الوعي تتمثَّل في فقدان حلقة الوصل بين الأجيال، أو الخجل من السؤال؛ لذلك فالأسرة عليها مسئوليَّة كبيرة في تخصيص وقت للحوار مع أبنائها، والاستماع إليهم ومناقشة ما يشغلهم، بدلًا من تركهم للعُزلة خلف شاشات الأجهزة الإلكترونية؛ لأنَّ ركائز الوعي لا يمكن أن تترسَّخ إلا في بيئة تقوم على الحوار والنقاش.

وأضاف الدكتور الهوَّاري أنَّ الوعي هو الذي يجعل الإنسان قادرًا على التفكير والنقد، فلا يقبل كل ما يعرض عليه من أفكار ومعلومات، وإنما يسأل ويتحقَّق ويميز بين الصحيح والخطأ، كما أنَّ عدم رفض الأفكار المخالفة للقِيَم أو استنكار السلوكيَّات غير الصحيحة يُعَدُّ مؤشِّرًا على غياب الوعي، مبيِّنًا أنَّ فَقْدَ الأمَّة وعيَها أشدُّ خطرًا من فَقْدِ مواردها؛ لأنَّ الإنسان إذا فَقَدَ وعيه أصبح مِنَ السهل التأثير فيه وتوجيهه؛ ومِن ثَمَّ يصبح فقدان أي شيء آخر أمرًا ممكنًا وسهلًا؛ لذلك فإنَّ أخطر ما يمكن أن تتعرَّض له الأمم هو أن تُغتال في وعيها؛ لأنَّ استعادة الموارد قد تكون ممكنة، أمَّا استعادة الوعي بعد ضياعه، فتحتاج إلى وقت وجهد كبيرين.

وأشار الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الدِّيني بمجمع البحوث الإسلاميَّة إلى أنَّ ركائز الوعي ثلاثة؛ هي: القلب، والعقل، والخُلُق، وما يثمر عنها من إيمان وعلم وسلوك، وهذه هي ثلاثيَّة الوعي، وهي منظومة متكاملة لا يمكن أن يستغني بعضها عن بعض؛ فالعقل إذا وعى وأحسن التفكير، اطمأنَّ القلب واستقرَّت المشاعر، ثم جاء السلوك مستقيمًا ومتزنًا، وإذا حافظ أي مجتمع على هذه الثلاثيَّة؛ فإنه يحافظ في الحقيقة على وعيه وهُويَّته واستقراره، ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الأفكار المنحرفة ومحاولات التشكيك، ويحمي أبناءه من الوقوع فريسةً للخطابات المضلِّلة التي تستهدف عقولهم وثوابتهم.

وأوضح أنَّ الأمَّة مستهدَفة في هذه الجوانب الثلاثة، من خلال محاولات التشكيك في العلماء وإحداث قطيعة بينهم وبين الناس، سواء جاءت هذه الدعوات بصورة صريحة أو من خلال رسائل غير مباشرة يتم تمريرها عبر بعض المنصَّات والمحتويات؛ لأنَّ إضعاف الثقة في العلماء وأهل العلم يفتح الباب أمام مصادر أخرى غير موثوقة لتوجيه الشباب؛ وهو ما يؤدِّي في النهاية إلى تزييف الوعي والعبث بالعقول، خاصَّة مع سهولة انتشار الأفكار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يفرض على الشباب التثبُّت من المعلومات، والرجوع إلى المصادر الموثوقة، وعدم السماح لأي محتوًى عابر بأن يصنع أفكارهم أو يحدِّد مواقفهم.

وتابع أنَّ محاولة العبث بالأمور العقديَّة وتشكيك الشباب في ثوابتهم إنما تستهدف في الأساس النَّيل من إيمانهم، مؤكِّدًا أنَّ قوَّة الأمَّة الحقيقية تنبع من قوَّة إيمانها وثباتها على مبادئها؛ لهذا يحاول أعداء الأمَّة زعزعة الإيمان في نفوس الشباب من خلال مجموعة من المغالطات؛ لذلك فلو نظرنا إلى الإسلام نجد أنه دِين وعي وإدراك، فقد جاء حِفظ العقل -الذي هو وعاء الوعي- ضمن الكليَّات التي حرص الإسلام على صيانتها، كما أنَّ الخطاب القرآني الكريم خاطَب العقل ودعاه إلى النظر والتدبُّر والتأمُّل في كل ما يحيط بالإنسان؛ حتى يكون الإنسان واعيًا بما يفكِّر فيه وما يتلقَّاه من أفكار ومعلومات، ولا يكون تابعًا لكلِّ ما يُطرح أمامه دون تمحيص أو سؤال.

واختتم الدكتور محمود الهوَّاري بتأكيد أنَّ هذه المنهجيَّة الإسلاميَّة في التعامل مع العقل هي التي تحفظ الوعي، وتدرِّب الإنسان على أن يكون دائم التفكير والبحث، ولكن في إطارٍ مِنَ الضوابط التي تحميه من الانحراف أو التشتُّت؛ فالتفكير الواعي لا يعني قبول كلِّ شيء؛ وإنما يعني أن يسأل الإنسان ويتثبَّت ويميز بين الحق والباطل، وبين المعلومة الصحيحة والمضلِّلة، وهذا التفكير المنضبط يقود القلب إلى الطمأنينة والاستقرار، فإذا استقرَّ القلب انعكس ذلك على سلوك الإنسان، فأصبح أكثر اتزانًا وقدرة على التعامل مع نفْسه ومجتمعه بصورة صحيحة.

من جانبه، شدَّد الشيخ يوسف المنسي على أنَّ الوعي أصبح ضرورة مُلِحَّة في ظلِّ سهولة إتاحة المعرفة وتدفُّق المعلومات من مصادر متعدِّدة، خاصَّة أنَّ كثيرًا ممَّا يصل إلى الإنسان من معارف هو نتاجٌ خارجيٌّ يحتاج إلى فهم وتمحيص قبل قبوله أو التعامل معه، ومِن هنا تبرز أهميَّة وجود أُسُس وركائز واضحة تضبط تعامل الإنسان مع هذه المعرفة؛ حتى لا يتحوَّل الانفتاح المعرفي إلى حالةٍ مِنَ التشتُّت أو الاضطراب الفكري، كما أنَّ الوعي لا بُدَّ أن ينطلق من مرجعيَّة منضبطة تساعد الإنسان على التمييز بين الصحيح والخطأ، وبين المعرفة النافعة والمعلومات المضلِّلة.

ولفت الشيخ المنسي إلى أنَّ القرآن الكريم أرشدنا إلى منهجيَّة واضحة في التعامل مع ما نجهله في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}؛ بما يؤكِّد أهميَّة الرجوع إلى أهل العِلم؛ لأنَّ مرجعيَّتنا الأساسيَّة تتمثَّل في كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ، وهي مرجعيَّة راسخة لا تتعارض مع العقل؛ بل تخاطبه وتحفِّزه على التفكير والتدبُّر والنظر؛ بما يحقِّق للإنسان وعيًا متوازنًا يجمع بين سلامة الاعتقاد وصحَّة التفكير وحُسْن التعامل مع ما يحيط به من أفكار ومعارف.

وتستمرُّ فعاليَّات الأسبوع الدَّعوي بجامعة الإسكندريَّة حتى يوم الخميس، بمشاركة نخبةٍ من علماء الأزهر الشريف، إذ تتناول الفعاليَّات ركائز الوعي وأُسُس تكوينه، وأخطار تزييف الوعي وأبعاده الفكريَّة والعقديَّة والأخلاقيَّة والسلوكيَّة والمجتمعيَّة، وأثر الوعي في استقرار الفرد والمجتمع، ودور القِيَم الدِّينيَّة والأخلاقيَّة في تحقيق الأمن النفسي والمجتمعي، إلى جانب التعريف بدور الأزهر الشريف في مجابهة موجات محو الهُويَّة، وبيان أثر المنهج الأزهري في تعزيز الوعي وترسيخ الهُويَّة.

زر الذهاب إلى الأعلى