قبل ساعات من انعقاد مؤتمر دور وهيئات الإفتاء فى العالم.. د. نظير عياد مفتى الجمهورية لـ”الرواق”: العالم يعيش مرحلة تتسم بتداخل الأزمات
لا نرفض التكنولوجيا.. ونسعى لترشيد استخدام الذكاء الاصطناعى
الوعظ وحده لا يكفى لمواجهة الانفلات الأخلاقى والعنف الأسرى
الخلط بين المعلومة والحقيقة أخطر مظاهر غياب الوعى
نحتاج إلى مشروع مجتمعى متكامل هدفه إعادة بناء الإنسان
رسالتنا الحفاظ على ثوابت الشريعة وصيانة الهوية والقيم
حوار: صابر رمضان”

شدد فضيلة الدكتور نظير عياد، مفتى الديار المصرية رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم على أن قضايا الأسرة تمثل أحد أهم ميادين العمل الإفتائى لما لها من أثر مباشر فى استقرار المجتمع وبناء الإنسان، وإن التعامل معها فى ظل التحولات الكبرى يتطلب تطوير أدوات الاجتهاد والإفتاء واستيعاب المتغيرات الجديدة، مع الحفاظ على ثوابت الشريعة ومقاصدها فى حفظ الأسرة وصيانة تماسكها واستقرارها.
«الرواق» أجرت حوارًا مهمًا مع فضيلة المفتى قبل انعقاد المؤتمر الحادى عشر لدور وهيئات الإفتاء فى العالم والذى يأتى هذا العام تحت عنوان «التحديات الأسرية فى ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية».
وأكد الدكتور نظير عياد مفتى الجمهورية أن المؤتمر هذا العام يتبنى جملة من التساؤلات البحثية أهمها ما أبرز التحديات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التى تواجه الأسرة المعاصرة وكيف يمكن للفتوى الرشيدة أن تسهم فى معالجتها وتعزيز استقرارها وكيف يمكن للمؤسسات الافتائية تطوير خطاب معاصر يحافظ على القيم الاسرية ويستوعب التحولات الاجتماعية والرقمية المتسارعة دون الوقوع فى الجمود والانجراف وكيف أثرت الثورة الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعى فى انماط التفاعل داخل الأسرة ومنظومة القيم لدى الابناء وما حدود الاستفادة من الدراسات الامبريقية فى فهم هذه التحولات وكيف يمكن للفتوى ان توجه الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا بما فى ذلك الذكاء الاصطناعى ومنصات التواصل بما يحقق التوازن بين الانفتاح الرقمى والانضباط القيمى وما الآليات الكفيلة بتطوير وظيفة الفتوى فى القضايا الأسرية من استجابات فردية مناسباتية إلى اداة اسهام فى صياغة سياسات اجتماعية داعمة لاستقرار الأسرة وما الدور الإفتائى فى مواجهة النزعات الفردانية المتصاعدة وآثارها فى تماسك الاسرة وتعزيز مفاهيم المسئولية والتكافل الأسرى وغيرها من الاسئلة التى يدور حولها موضوع المؤتمر.
وهذا نص الحوار مع فضيلة الدكتور نظير عياد مفتى الديار المصرية قبل انعقاد المؤتمر الحادى عشر لدور وهيئات الإفتاء فى العالم.

- بداية.. فى ظل ما يشهده العالم من أزمات متواترة.. كيف تقرأ دار الإفتاء المصرية واقعنا المعاصر فى ظل هذا العالم المضطرب؟
•• لا شك فى أن العالم يعيش مرحلة استثنائية تتسم بتسارع غير مسبوق فى وتيرة التحولات وتداخل الأزمات، وهو ما أوجد واقعاً جديداً تتغير فيه أنماط التفكير والسلوك والعلاقات بصورة متلاحقة؛ ومن هنا، فإن قراءة الواقع المعاصر لا يمكن أن تتم بمعزل عن هذه التحولات، ولا يمكن للخطاب الدينى والإفتائى أن يظل بعيداً عن فهمها وتحليل آثارها وتبعاتها.
ونحن فى دار الإفتاء المصرية ننطلق من أن فهم الواقع جزء أصيل من صناعة الفتوى الرشيدة؛ فالفتوى لا تبنى على النص وحده بمعزل عن سياقه، وإنما تقوم على الجمع بين سلامة التأصيل الشرعى ودقة إدراك الواقع ومآلات الأحكام وآثارها فى حياة الناس؛ لذلك نحرص على متابعة التحولات المجتمعية والفكرية والتكنولوجية، ورصد القضايا المستجدة التى تشغل الناس، حتى تأتى الفتوى معبرة عن مقاصد الشريعة من جهة، وقادرة على الاستجابة لحاجات المجتمع من جهة أخرى.
كما أننا نؤمن بأن مواجهة اضطراب العالم لا تكون بالانكفاء عن الواقع، وإنما ببناء إنسان أكثر وعياً، وأسرة أكثر تماسكاً وخطاب دينى أكثر قدرة على فهم العصر دون أن يفقد ثوابته، وهذه هى المعادلة التى نعمل على ترسيخها.
- يأتى مؤتمر الإفتاء هذا العام تحت عنوان: «التحديات الأسرية فى ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية».. فما أهم هذه التحديات؟ وماذا عن الدور المجتمعى الذى تقدمه دار الإفتاء لحماية الأسرة المصرية من التفكك؟
•• هذا العنوان لم يأتِ من فراغ، وإنما جاء استجابة لتحولات عميقة يشهدها العالم، انعكست بصورة مباشرة على الأسرة التى باتت تواجه تحديات متشابكة، بعضها اجتماعى واقتصادى، وبعضها ثقافى وفكرى، فضلاً عن التأثير المتزايد للتحولات الرقمية والتكنولوجية فى أنماط التواصل والعلاقات والقيم.
ولا شك أن التحديات التى تواجه الأسرة اليوم أصبحت أكثر تشابكاً؛ فهى لا تقتصر على المشكلات التقليدية كالخلافات الزوجية والطلاق، وإنما تمتد إلى ضعف التأهيل قبل الزواج، وتراجع الحوار الأسرى، وتأثير التحولات الرقمية ووسائل التواصل، فضلاً عن التغيرات الثقافية التى قد تؤثر فى منظومة القيم والهوية.
ونحن فى دار الإفتاء المصرية نتعامل مع هذه التحديات بمنهج يقوم على الوقاية قبل العلاج؛ فدورنا لا يقتصر على إصدار الفتوى فى قضايا الأسرة، وإنما يمتد إلى الإرشاد الأسرى وفض المنازعات والتوعية والتأهيل وتصحيح المفاهيم المغلوطة حول الزواج والحقوق والواجبات.
كما نحرص على التعاون مع مختلف المؤسسات الدينية والاجتماعية والتعليمية والإعلامية؛ لأن حماية الأسرة مسئولية مشتركة، بما يساعد على الحد من أسباب التفكك وتعزيز استقرار الأسرة وصيانة هويتها وقيمها. - ما المحاور الأساسية التى سيطرحها المؤتمر خلال فعالياته وما رسالة دار الإفتاء من خلاله؟
•• يناقش المؤتمر سبعة محاور رئيسية، تبدأ بالتأصيل المقاصدى للأسرة وبناء المرجعية الشرعية المعاصرة، مروراً بتأثير التحولات الرقمية والتقنية والذكاء الاصطناعى فى الأسرة، وعولمة القيم والتيارات الفكرية وتحديات الهوية الأسرية، ودور الفتوى المؤسسية فى معالجة الأزمات الأسرية وصناعة السياسات العامة، إلى جانب التحديات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والقيمية، وصولاً إلى استشراف مستقبل الأسرة ودور المؤسسات الإفتائية فى مواكبة هذه التحولات.
أما رسالة دار الإفتاء من هذا المؤتمر، فهى أننا نريد أن نقدم نموذجاً للفتوى المؤسسية التى تجمع بين التأصيل الشرعى وفهم الواقع والاستفادة من العلوم الاجتماعية والتقنية واستشراف المستقبل، كما نسعى إلى بناء رؤية إفتائية مشتركة بين المؤسسات المشاركة، تساعد على حماية تماسك الأسرة، ومواجهة التأثيرات السلبية للتحولات الرقمية والثقافية والاقتصادية، مع الحفاظ على ثوابت الشريعة وصيانة الهوية. - ماذا عن استراتيجية دار الإفتاء لمواجهة قضايا العنف الأسرى والتصدى لجرائم الابتزاز الإلكترونى؟
•• تقوم استراتيجية دار الإفتاء المصرية على التعامل مع العنف الأسرى والابتزاز الإلكترونى باعتبارهما من القضايا التى تحتاج إلى مقاربة وقائية وتكاملية، لا تقتصر على إصدار الفتوى وإنما تمتد إلى التوعية والإرشاد والتأهيل والتعاون مع الجهات المختصة، وقد أكدت الدار فى أكثر من فتوى أن العنف الأسرى بكل صوره يتنافى مع قيم الرفق والرحمة والمودة التى تقوم عليها الأسرة فى الإسلام.
وفى هذا الإطار، تعمل الدار من خلال الإرشاد الأسرى ومركز الإرشاد الزواجى على معالجة جذور الخلافات الأسرية، وتأهيل المقبلين على الزواج، وتقديم الدعم الإرشادى المتخصص، بما يساعد على احتواء النزاعات قبل أن تتفاقم وتتحول إلى عنف أو تفكك أسرى..
أما فيما يتعلق بالابتزاز الإلكترونى، فالمواجهة تبدأ من بناء الوعى الرقمى والأخلاقى، والتأكيد على حرمة انتهاك الخصوصية وتتبع العورات أو تصوير الآخرين والتشهير بهم ونشر محتوى يسىء إليهم، مع ضرورة عدم إعادة تداول المواد التى يستخدمها المبتز، واللجوء إلى الجهات المختصة عند وقوع الجريمة.
والهدف فى النهاية بناء وعى يحصن الأسرة وأفرادها من الوقوع ضحايا للعنف أو الابتزاز، ويجعل الفتوى جزءاً من منظومة متكاملة لحماية الإنسان والأسرة وصيانة الكرامة والخصوصية. - فى ظل التحول التكنولوجى السريع.. هل يمكن للذكاء الاصطناعى إدراك النصوص الشرعية وتفسير دلالاتها وفقاً لمبدأ رفع الحرج والتيسير على المكلفين؟
•• الذكاء الاصطناعى أداة تقنية متقدمة يمكن أن تساعد فى جمع المعلومات واستحضار المصادر وتحليل النصوص، لكنه لا يملك فى صورته الحالية أهلية الاستقلال بفهم النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها؛ لأن الفتوى ليست مجرد معالجة لغوية للنص، وإنما هى فهم للنص وإدراك للواقع وتنزيل للحكم على واقعة بعينها، ومراعاة للمآلات والظروف واختلاف الزمان والمكان والأحوال، وقد أكدت دار الإفتاء المصرية عدم جواز الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعى فى الحصول على الفتوى استقلالاً، لعدم امتلاكها أدوات الإفتاء الكاملة والمرونة البشرية اللازمة لذلك.
وكذلك لا يمكن أن نترك للآلة مهمة تفسير القرآن أو استنباط دلالاته بصورة مستقلة؛ فقد أكدت دار الإفتاء أن الاعتماد الكلى على الذكاء الاصطناعى فى تفسير القرآن ممنوع، وأن المرجع فى ذلك هم المتخصصون من المفسرين والفقهاء وكتب التفسير المعتمدة.
أما مبدأ رفع الحرج والتيسير، فهو من المقاصد والقواعد التى تحتاج إلى فقه عميق بحدودها وضوابطها؛ فالتيسير الشرعى ليس مجرد اختيار الحكم الأسهل، وإنما هو تيسير منضبط بالنص والمقاصد والواقع والمآلات؛ وهنا تظل المسئولية الأساسية للمفتى المؤهل، بينما يمكن توظيف الذكاء الاصطناعى كأداة مساعدة تحت إشرافه لا بوصفه بديلاً عنه.
ومن ثم رؤيتنا ليست رفض التكنولوجيا، وإنما ترشيد استخدامها، نستفيد من قدراتها الهائلة فى البحث والتحليل والرصد، مع إبقاء صناعة الفتوى فى يد الإنسان المؤهل الذى يجمع بين العلم الشرعى وفهم الواقع وفقه المآلات، وهذا لا شك هو الطريق الذى يحقق الاستفادة من الذكاء الاصطناعى دون أن يتحول من أداة مساعدة إلى مصدر مستقل للتشريع أو الإفتاء. - كيف تتعامل «الخوارزميات» مع الأحكام المرتبطة بنيات المكلفين وهى أمور لا تدرك إلا من خلال مقاصدهم وخصوصياتهم الإنسانية؟
•• هذه من أهم الإشكاليات التى تكشف حدود الذكاء الاصطناعى فى مجال الفتوى؛ لأن الخوارزميات تتعامل أساساً مع البيانات والمعطيات الظاهرة، بينما النية مقصد باطنى لا يمكن للآلة أن تتحقق منه على وجه اليقين، والفتوى فى كثير من المسائل لا تتوقف عند صورة الفعل، وإنما تتأثر بقصد المكلف وظروفه وملابساته وأعرافه ومآلات فعله.
ولهذا لا يمكن أن نتعامل مع الخوارزميات باعتبارها مفتياً مستقلاً؛ فالفتوى تحتاج إلى فقه النص وفقه الواقع وفقه المآلات وفهم خصوصية المستفتى، وهى أمور تتطلب ملكة فقهية وإنسانية لا تتوافر للآلة بالصورة التى تمكنها من إصدار حكم شرعى ملزم. وقد أكدت دار الإفتاء المصرية أن تطبيقات الذكاء الاصطناعى لا تملك المرونة البشرية الكاملة لمراعاة اختلاف الزمان والمكان والظروف الخاصة بكل فتوى.
وأعود وأقول إن هذا لا يعنى إقصاء التكنولوجيا؛ بل يمكن توظيفها كأداة مساعدة للمفتى فى جمع المعلومات وتصنيف المسائل واستحضار المصادر وتحليل البيانات على أن تظل الكلمة النهائية للمفتى المؤهل القادر على استيعاب البعد الإنسانى والشرعى للواقعة. - ماذا عن نظرتكم لمفهوم «الوعى».. وما أخطر مظاهر غياب الوعى فى العصر الراهن؟
•• الوعى فى تقديرنا ليس مجرد امتلاك المعلومات وإنما هو القدرة على فهم الواقع فهماً صحيحاً، وإدراك أبعاده ومآلاته، ثم اتخاذ الموقف الرشيد فى ضوء المعرفة والقيم؛ ولذلك فإن بناء الوعى يمثل جزءاً أصيلاً من مسئولية المؤسسات الدينية والفكرية، لأنه يحصن الإنسان من التزييف والاستقطاب وسوء الفهم.
ومن أخطر مظاهر غياب الوعى اليوم: الخلط بين المعلومة والحقيقة، وتلقى المحتوى دون تمحيص، والانقياد وراء الشائعات والتريندات، وانتشار الفتاوى غير المنضبطة، فضلاً عن ضعف الوعى الرقمى، وما يترتب عليه من الوقوع فى التضليل أو الابتزاز أو إساءة استخدام التكنولوجيا.
كما أن غياب الوعى يظهر فى التعامل السطحى مع الدين، من خلال اقتطاع النصوص من سياقاتها أو تحويل الأحكام الشرعية إلى شعارات ومواقف متعجلة، دون فهم لمقاصدها وضوابطها ومآلاتها.
ومن هنا؛ فى دار الإفتاء المصرية نعمل على بناء وعى دينى ووطنى ومجتمعى متوازن، يجمع بين صحيح الدين وصحيح الفهم، ويحصن الإنسان من الأفكار المتطرفة والمعلومات المضللة، ويجعله أكثر قدرة على التمييز بين ما ينفعه وما يضره. - أخيراً.. تعد منظومة الأخلاق فى مجتمعاتنا العربية والإسلامية من الثوابت لكنها غابت اليوم.. فكيف يمكن مواجهة الانفلات الأخلاقى اليوم؟
•• الأخلاق فى التصور الإسلامى ليست أمراً هامشياً أو مجموعة من المواعظ، وإنما هى جزء أصيل من بناء الإنسان والمجتمع، ولذلك فإن مواجهة الانفلات الأخلاقى لا تكون بالوعظ وحده، وإنما ببناء منظومة متكاملة تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والجامعة والمؤسسة الدينية والإعلام ومختلف مؤسسات المجتمع.
وأرى أن أول خطوات المواجهة هى إعادة الاعتبار للتربية الأخلاقية، وربطها بالسلوك اليومى لا بالشعارات؛ فالأمانة والرحمة واحترام الآخر وحفظ الخصوصية وضبط استخدام التكنولوجيا.. لا شك فى أنها كلها قيم ينبغى أن تتحول إلى ممارسات حية فى حياة الناس.
كما أن علينا أن نواجه المحتوى الذى يروج العنف أو الابتذال أو التنمر أو انتهاك الخصوصية، خاصة فى الفضاء الرقمى، من خلال التوعية والوقاية وتعزيز المسئولية الفردية والمجتمعية، مع تطبيق القوانين التى تحمى المجتمع وتصون حقوق أفراده.
وسنظل نقول إن الأسرة هى خط الدفاع الأول فى هذا المجال؛ فإذا نجحنا فى بناء أسرة مستقرة تربى أبناءها على الحوار والاحترام والمسئولية، فإننا نضع أساساً متيناً لمجتمع أكثر تماسكاً وأخلاقاً.
ودور المؤسسة الدينية هنا أن تقدم خطاباً يعيد وصل الأخلاق بالدين والحياة، فلا تكون الأخلاق مجرد نصوص محفوظة، وإنما هى سلوك يترجم قيم الإسلام فى التعامل مع الإنسان والمجتمع؛ ومن ثم مواجهة الانفلات الأخلاقى ليست مسئولية جهة واحدة، وإنما مشروع مجتمعى متكامل هدفه إعادة بناء الإنسان قبل أن يكون مجرد مواجهة لبعض مظاهر الخلل.