الجامع الأزهر يواصل احتفاءه بذكرى المولد النبوي الشريف: رحلة الطائف مدرسة نبوية في العفو عند المقدرة واليقين بنصر الله

واصل الأزهر الشريف وإذاعة القرآن الكريم، مساء الاثنين 18 ربيع الأول 1448هـ الموافق 31 أغسطس 2026م، فعاليات الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف وشهر ربيع الأول، برحاب الجامع الأزهر الشريف، متضمنة كلمة علمية بعنوان: «رحلة الطائف.. والعفو عند المقدرة»، ألقاها فضيلة أ.د. عبد الحكم صالح سلامة، أستاذ أصول اللغة والإعجاز القرآني بجامعة الأزهر، وقدم الاحتفالية الإذاعي فوزي عبد المقصود.

أكد فضيلة أ.د. عبد الحكم صالح سلامة أن فكرة الهجرة والخروج من مكة استقرت في وجدان النبي ﷺ منذ بواكير الوحي الشريف حين قال له ورقة بن نوفل: «يا ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك»، مشيراً إلى أن النبي ﷺ عاش سنواته الأولى في مكة بين أمن نفسي احتوته به السيدة خديجة رضي الله عنها، وأمن مجتمعي حماه به عمه أبو طالب، حتى فقدهما متلاحقين لتبدأ مرحلة قاسية تجرأ فيها مشركو مكة على إيذائه متناسين أعراف النخوة العربية التي تعيب البطش بالخصم حين يضعف سنده.

وأضاف أستاذ أصول اللغة والإعجاز القرآني بجامعة الأزهر أن اختيار النبي ﷺ لرحلة الطائف جاء لكونها أقرب الحواضر لمكة ومهوى فؤاده، ولما عُرف عن أهلها من لين الطباع ولطافة المعشر، أملاً في إيجاد أرض خصبة ومناخ جديد تستنبت فيه بذرة الدعوة الإسلامية لتورق وتثمر، لافتاً إلى أن أهل الطائف قابلوا الدعوة بالصد والإعراض بعد ضيافة عابرة من كرم البستان بواسطة الغلام عداس، ثم أغروا سفهاءهم وصبيانهم برمي النبي ﷺ بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين.

وأوضح فضيلته أن النبي ﷺ واجه هذا الموقف العصيب وتلك الأمواج المتلاطمة من الحزن والأسى باللجوء إلى الله تعالى، متوجهاً بقلب منكسر ومناجاة خالدة أسند فيها ظهره إلى حائط البستان قائلاً: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي»، مجسداً كمال العبودية والتسليم لقضاء الله وقدره.

وأشار أ.د. عبد الحكم سلامة إلى عظمة الموقف النبوي وتجليات العفو عند المقدرة حين نزل ملك الجبال بصحبة جبريل عليه السلام عارضاً إهلاك المشركين بإطباق الأخشبين عليهم، فأبى النبي ﷺ ذلك بسماحته الفياضة ورحمته الواسعة بيقين القائد الذي يستشرف المستقبل بنور الوحي قائلاً: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً»، مؤكداً أن النفوس الكبيرة لا تبطش ولا تنتقم حين تواتيها القدرة، بل تعفو وتصفح وتصنع الأمل للأمة.

شهدت الاحتفالية إمامة صلاة المغرب للشيخ محمد علاء الدين سباعي، من أئمة القبلة بالجامع الأزهر، وتلاوة قرآنية مباركة للقارئ الشيخ العزب سالم، واختُتمت بفاصل من الابتهالات والمدائح النبوية قدمها المبتهل الشيخ محمد عبد السلام الحسيني، وسط حضور من رواد وطلاب الجامع الأزهر الشريف.

زر الذهاب إلى الأعلى