بين فقه الإمام أبي حنيفة وعلاج الشقاق الزوجي.. بحوث ودراسات تُصيغ مرجعية جديدة للجان الإصلاح الأسري ضمن الجلسة العلمية الأولي بمؤتمر الإفتاء العالمي

د. إبراهيم رشاد صبري: تطبيق المعايير المقاصدية على النوازل الأسرية يحفظ الضروريات الخمس.. وبناء إطار منهجي لتنزيل الأحكام على الوقائع المستجدة هو السبيل لترشيد الفتوى واستقرار الكيان الأسري

د. سمحاء عبد المنعم أبو العطا: استقراء المذاهب الأربعة يمنحنا مرتكزات دقيقة لتشخيص النزاع الزوجي.. واستيعاب الفروق بين وظيفة المصلح والمحكّمين والقضاء يطور عمل لجان الإصلاح الأسري المعاصرة

د. حماية محمد جمعة: فقه الإمام أبي حنيفة اتسع لإعمال الرأي والاستحسان رفعًا للحرج عن الأسرة.. وفتاواه قدمت معالجة عادلة لكافة مراحل الحياة الزوجية من الاختيار والنفقة حتى الحضانة والطلاق

د. عمر نهاد محمود: التربية الفقهية هي الإطار الأمثل لبناء مناعة أخلاقية رقمية مستدامة للأبناء.. وتحويل الفتوى من مجرد زجر إلى برنامج تربوي وقائي يميّز المنهج الإفتائي المعاصر

واصلت الجلسة العلمية الأولى، المقامة على هامش فعاليات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، تقديم نقاشات موسعة حول التأصيل المقاصدي للأسرة وبناء المرجعية الشرعية المعاصرة، سعيًا إلى إعادة ضبط منهج تأصيل المفاهيم الكبرى الكافلة لاستقرار الكيان الأسري، وبناء مرجعية فقهية معاصرة تجمع بين أصالة الأحكام الشرعية ومقاصدها الكلية، وبين استيعاب مستجدات الواقع وتحدياته الحديثة.

وقد شارك الأستاذ الدكتور إبراهيم رشاد محمد صبري، أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بجامعة قنا، ببحث علمي بعنوان: “معايير الاجتهاد المقاصدي في النوازل الأسرية”، مؤكدًا أنه سعى خلال بحثه إلى بناء إطار منهجي يحكم مراحل الاجتهاد من فهم النصوص، وفهم المقاصد، إلى تنزيل الأحكام على الوقائع المستجدة من النوازل الأسرية المعاصرة بما يسهم في ترشيد الفتوى، وتعزيز استقرار الأسرة في ضوء مقاصد الشريعة.

واختتم أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بجامعة قنا بحثه بإبراز أثر المقاصد في تحقيق استقرار الأسرة عبر المنهج الاستقرائي التحليلي التطبيقي، مشيرًا إلى أن أهم نتائج البحث تمثلت في أن تطبيق المعايير المقاصدية على النوازل الأسرية يحقق المقاصد في حفظ الضروريات الخمس.

وفي هذا الإطار، عرضت الأستاذة الدكتورة سمحاء عبد المنعم أبو العطا عطية، أستاذ الفقه المساعد بجامعة الأزهر بحثًا علميًّا بعنوان: “المنهج الفقهي في معالجة الشقاق بين الزوجين – دراسة استقرائية مقارنة” استقرأت خلاله نصوص المذاهب الأربعة وكشف المرتكزات والضوابط التي تحكم تشخيص النزاع واختيار طريق معالجته، بهدف بناء تحليلي يمكن الإفادة منه في عمل لجان الإصلاح الأسري المعاصرة، مع المحافظة على الفروق بين وظيفة المصلح وولاية الحكمين وسلطة القضاء.

وأشارت إلى أن أبرز تساؤلات البحث كانت: كيف ميز الفقهاء صور الاضطراب الزوجي بعضها من بعض؟ وكيف أثر اختلاف الوصف ومصدر الخلل في اختيار طريق المعالجة؟ ومتى يكون الإصلاح المباشر كافيًا؟ ومتى يظهر محل الحكمين؟ وما وظيفتهما وحدود ولايتهما؟ وكيف يختلف طريق الفرقة وآثارها باختلاف منشأ تعذر العشرة؟

من جهته، استهدف الدكتور حماية محمد جمعة سليمان، مدرس بقسم التربية الإسلامية بجامعة الأزهر، خلال بحثه: “فقه الأسرة في فتاوى الإمام أبي حنيفة النعمان – دراسة تحليلية من المنظور التربوي الإسلامي”، الوقوف على فتاوى الإمام أبي حنيفة النعمان المتعلقة بشؤون الأسرة، وبيان دورها في تحقيق الاستقرار الأسري في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية، وذلك من خلال تحليل آرائه الفقهية في القضايا المنظمة للعلاقة بين أفراد الأسرة، وما تتضمنه من أحكام تسهم في حفظ كيانها وتعزيز تماسكها.

وأوضح الدكتور حماية محمد جمعة سليمان أن منهج الإمام أبي حنيفة النعمان امتاز بمنهج فقهي يقوم على الاستناد إلى القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والقياس، مع التوسع في إعمال الرأي والاستحسان تحقيقًا لمقاصد الشريعة ورفع الحرج عن الناس، وقد انعكس هذا المنهج بوضوح في فتاواه المتعلقة بالأسرة، إذ أولى عناية كبيرة بتنظيم العلاقات الأسرية على أسس من العدل والمودة والرحمة، فبين الأحكام المتعلقة باختيار الزوجين، والكفاءة، والحقوق والواجبات المتبادلة، والنفقة، والمعاشرة بالمعروف، ومعالجة الخلافات الزوجية، والطلاق، والحضانة، وغيرها من الأحكام التي تسهم في حفظ كيان الأسرة واستقرارها.

وفي بحثه المعنون بـ” التربية الفقهية وأثرها في صناعة المناعة الأخلاقية الرقمية للأسرة – المفهوم والآليات والتحديات”، شدد الدكتور عمر نهاد محمود، الأستاذ المشارك بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية بالإمارات، على إبراز تأصيل مفهوم «المناعة الأخلاقية الرقمية» من منظور التربية الفقهية، مع التركيز على المقاصد الشرعية والقواعد الفقهية الكلية التي تضبط السلوك الرقمي، وتقديم نماذج تطبيقية من المنهج النبوي والقرآني والإفتائي المعاصر، كما سلط الضوء على الآليات الأسرية والمؤسسية لتعزيز الرقابة الذاتية والتكامل المجتمعي في حماية النشء من السيولة الأخلاقية الرقمية؛ ليخلص البحث إلى أن التربية الفقهية، بمنهجها الشمولي والمرن، تمثّل الإطار الأمثل لبناء مناعة أخلاقية رقمية مستدامة، تحول الفتوى من مجرد حكم زجري إلى برنامج تربوي وقائي وبنائي.

هذا، ويشهد المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم زخمًا علميًّا وإقبالًا أكاديميًا واسعًا من مختلف المؤسسات الفقهية والبحثية في أكثر من 80 دولة، وقدم العلماء والباحثون المشاركون نتاجهم الفكري عبر مئات الأبحاث وأوراق العمل الميدانية التي تجاوزت 500 ملخص بحثي و300 بحث علمي مكتمل؛ للوقوف على التحديات الراهنة التي تواجه الأسرة المسلمة في ظل التحولات المعاصرة.

وقد تركزت البحوث المشاركة على تقديم معالجات إفتائية وعلمية مبتكرة تمس واقع المجتمعات، حيث تنوعت القضايا المطروحة بين التأصيل المقاصدي للأسرة، والحد من ظواهر التفكك الأسري والإدمان الرقمي، إضافة إلى تفكيك الخطابات المهددة للهُوية. كما تسعى الأوراق العلمية المقدمة إلى صياغة رؤًى استشرافية تعزز المرجعية الشرعية وحماية الكيان الأسري، بما يدمج بين ضوابط الشريعة ومقاصدها، وبين مستجدات العلم الحديث ومتطلبات العصر.

زر الذهاب إلى الأعلى