ملتقى التفسير بالجامع الأزهر: السمع نعمة إلهية تتكامل دلالاتها القرآنية مع أسرار تكوين الأذن ووظائفها
واصل الجامع الأزهر، مساء الأحد، فعاليات ملتقى التفسير ووجوه الإعجاز القرآني الأسبوعي، الذي جاء هذا الأسبوع تحت عنوان: “مظاهر الإعجاز في حديث القرآن عن حاسة السمع”، وذلك بحضور أ.د محمد سليمان، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر، وأ.د أحمد سليم، عميد كلية الطب السابق بجامعة الأزهر، وأدار الملتقى الأستاذ فؤاد حسام، المذيع بإذاعة القرآن الكريم.
قال أ.د محمد سليمان، إن السمع من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، وقد اعتنى القرآن الكريم بذكر هذه الحاسة في مواضع متعددة، تارة في سياق تعداد نعم الله على الإنسان، وتارة في سياق الحديث عن مسؤولية الإنسان عما يسمع، وتارة في بيان أثر السمع في الهداية أو الضلال، قال تعالى: “قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون” ومن وجوه الدقة في التعبير القرآني أن لفظ “السمع” غالبا ما يرد بصيغة الإفراد، في حين يأتي “الأبصار” بصيغة الجمع، لأن السمع اسم جنس يدل على الحاسة وما يندرج تحتها، بينما يتعدد الإبصار بتعدد الأبصار والأعين، وهو ما يظهر في كثير من المواضع القرآنية، كما أن القرآن الكريم كثيرا ما قدم السمع على البصر، وهو تقديم يتناسب مع أهمية السمع في تلقي الإنسان للمعرفة والوحي، فالإنسان يسمع قبل أن يتعلم القراءة، والوحي نفسه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق التلقي، وكان أول ما نزل من القرآن قول الله تعالى: “اقرأ باسم ربك الذي خلق” والمراد بالقراءة هنا ليس قراءة شيء مكتوب ولكن قراءة ما يوحى عن طريق التلقي.
وأشار فضيلة الدكتور محمد سليمان، إلى أن أهمية السمع لا تتوقف عند كونه وسيلة لإدراك الأصوات، بل تمتد إلى كونه بابا من أبواب العلم والمعرفة والتواصل، ولذلك قال الله تعالى: “إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا” بما يؤكد أن هذه النعم ليست مجرد أدوات حسية، وإنما وسائل يتحمل الإنسان مسؤولية استخدامها فيما ينفعه، والقرآن الكريم يلفت كذلك إلى مسؤولية الإنسان عن حاسة السمع، ويحذر من تعطيلها عن وظيفتها في إدراك الحق، فقال تعالى: “ولهم آذان لا يسمعون بها” ، كما قال سبحانه: “ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة” لأن القضية لا تتعلق بمجرد وجود الحاسة، وإنما بكيفية توظيفها في إدراك الحق والانتفاع بالهداية، مبينا أن تقديم البصر أحيانا يأتي عندما يقتضي المقام ذلك، ومن ذلك قول الله تعالى: “أبصر به وأسمع” في سياق الحديث عن كمال إحاطة الله تعالى بخلقه، إذ لا يتصور في حق الله تعالى تفاوت بين السمع والبصر، وكذلك في قول أهل النار: “ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون” جاء التعبير بما يناسب مقامهم بعدما عاينوا العذاب وكانوا يكذبون به في الدنيا.
ومن جانبه أوضح الدكتور أحمد سليم أن القرآن الكريم حين يلفت النظر إلى نعمة السمع، فإن العلم يكشف كذلك عن دقة بالغة في تكوين هذه الحاسة ووظائفها، حيث يبدأ تكوينها في مراحل مبكرة من حياة الجنين؛ حيث تظهر البدايات الأولى لتشكل الأذن في الأسابيع الأولى من الحمل، ثم تتطور مكوناتها تدريجيا حتى تكتمل بنيتها ووظائفها الأساسية، لذلك يرصد العلم إدراك الجنين الأصوات خلال مراحل متقدمة من الحمل، ويستطيع مع تطور الجهاز السمعي إدراك الأصوات والاستجابة لها، ومن أبرز الأصوات التي يمكن أن يتأثر بها صوت الأم ونبضها، وهو ما يكشف عن تعقيد عملية تكوين الجهاز السمعي ودقتها.
وأوضح الدكتور أحمد سليم أن الأذن تنقسم من الناحية التشريحية إلى ثلاثة أجزاء رئيسة: الأذن الخارجية، والأذن الوسطى، والأذن الداخلية، ويؤدي كل جزء منها وظيفة متكاملة في استقبال الموجات الصوتية ونقلها وتحويلها إلى إشارات عصبية يفهمها الدماغ، مشيرا إلى أن سلامة هذه الأجزاء وتكامل عملها ضروريان لعملية السمع، مشيرا إلى أن وجود أذنين لا يقتصر على زيادة القدرة على سماع الأصوات، وإنما له أهمية كبيرة في تحديد مصدر الصوت واتجاهه، إذ يساعد الدماغ على مقارنة الصوت الواصل إلى الأذنين من حيث التوقيت وشدة الصوت، بما يمكن الإنسان من تحديد الاتجاه الذي يأتي منه الصوت بدرجة عالية من الدقة، وهذه الحقائق العلمية تجعل الإنسان أكثر إدراكا لقيمة نعمة السمع، خاصة عندما يستحضر ما جاء به القرآن الكريم من عناية بهذه الحاسة العظيمة.