ضمن فعاليَّات الأسبوع الدعوي الـ24..ندوة (البحوث الإسلاميَّة) تسلِّط الضوء على دور الدِّين في صناعة الوعي لدى الشباب

عقد مجمع البحوث الإسلامية، اليوم الاثنين، ندوةً في جامعة الجلالة تحت عنوان: (دور الدِّين في صناعة الوعي لدى الشباب)، وذلك ضِمن فعاليَّات الأسبوع الدعوي الرابع والعشرين، الذي تُنظِّمه اللجنة العُليا للدعوة بالمجمع تحت عنوان: (الدِّين.. ضرورته وحاجة الإنسانيَّة إليه)، برعايةٍ كريمةٍ من فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيِّب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف الشيخ أيمن عبد الغنيّ، وكيل الأزهر، و د.محمد الجندي، الأمين العام للمجمع.

وفي كلمته، قال د.محمود الهوَّاري، الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الدِّيني بمجمع البحوث الإسلاميَّة: إنَّ التعامل مع الأفكار التي تنتشر في الساحة الفكريَّة وتستهدف عقول الشباب يقتضي تشريح هذه الأفكار وتحليل منطلقاتها وغاياتها، وعدم الاكتفاء بالحكم على ظاهرها أو الانسياق وراء الشعارات التي ترفعها، مضيفًا أنَّ هذه الأفكار يمكن تصنيفها في اتجاهين متطرفين: أولهما يدفع نحو التفلُّت من الثوابت والقيم، وقد ينتهي بصاحبه إلى الإلحاد وإنكار الحقائق الدينية، وثانيهما يجنح إلى المبالغة والغلو والتشدُّد، فيضيق ما وسَّعه الشرع، ويحوِّل الدِّين من منهج للهداية والرحمة إلى تصوُّرات مغلقة تفتقر إلى الفهم الصحيح.

وأوضح الدكتور الهوَّاري أنَّ كلا الاتجاهين يمثِّل انحرافًا عن المنهج المتوازن الذي جاء به الإسلام؛ فالدِّين لا يدعو إلى الانفلات من الضوابط، كما لا يقر الغلو الذي يتجاوز حدود الاعتدال؛ وإنما يؤسِّس لفهم صحيح يجمع بين ثبات الأصول ومرونة التعامل مع الواقع وبين الالتزام بأحكام الشرع وإدراك مقاصده وغاياته، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}؛ بما يؤكِّد أنَّ الوسطيَّة التزام بالحق بعيدًا عن الإفراط والتفريط؛ وهو ما يتطلَّب من الشباب امتلاك الوعي الذي يمكِّنهم من التمييز بين الفكر المستنير الذي يبني الإنسان، والفكر المنحرف الذي يستدرجه إلى التطرُّف أو التفلُّت.

وأشار الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الدِّيني إلى أنَّ تكوين الفكر الناقد يمثِّل أحد المقاصد التي يوجِّه إليها الإسلام؛ إذ لا يريد من الإنسان أن يكون أسير التقليد الأعمى أو تابعًا لكل ما يسمعه ويقرؤه؛ وإنما يدعوه إلى إعمال عقله، والتثبُّت مِنَ المعلومات، وفحص الأدلَّة، والتمييز بين الحُجَّة والشبهة، وأن يتحرَّر من الأهواء والأحكام المسبقة التي قد تحجب عنه الحقيقة، مبيِّنًا أنَّ القرآن الكريم يربِّي الإنسان على السؤال والتدبُّر والنظر في الأدلَّة، ويرفض التسليم للأفكار لمجرَّد شيوعها أو انتسابها إلى أصحاب نفوذ أو جماعات مؤثِّرة، قال تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، وهي دعوة واضحة إلى إقامة الدليل وعدم الاكتفاء بالدعاوى المجرَّدة، كما قال سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}؛ بما يؤسِّس لمسئوليَّة الإنسان عن مصادر معرفته وما يتبنَّاه من أفكار ومواقف.

وتابع أنَّ الدِّين يقدِّم للإنسان التصوُّراتِ الصحيحةَ التي يحتاج إليها في مختلِف جوانب حياته، فهو لا يقتصر على أداء الشعائر والعبادات؛ وإنما يمتدُّ أثره إلى بناء الشخصيَّة، وضبط السلوك، وتنظيم العَلاقات، وتحديد المسئوليَّات، وترسيخ القِيَم التي تحفظ للفرد والمجتمع توازنهما؛ لأنَّ الإنسان حين يمتلك تصوُّرًا صحيحًا عن عَلاقته بربِّه، وغاية وجوده، ومسئوليَّته تجاه نفسه والآخرين؛ يصبح أكثر قدرة على فهم الحياة والتعامل مع تحدياتها دون أن يقع فريسةً للاضطراب أو التناقض؛ فالتصوُّر الإسلامي المتكامل يربط بين الإيمان والعمل، وبين العبادة والأخلاق، وبين حقوق الفرد وواجباته تجاه المجتمع، فلا يجعل التديُّن منفصلًا عن السلوك اليومي، ولا يسمح بأن تتحوَّل المعرفة الدينيَّة إلى معلومات مجرَّدة لا يظهر أثرها في المعاملة والإنتاج وتحمُّل المسئوليَّة.

وشدَّد على أنَّ تحصين الشباب من الأفكار المنحرفة لا يتحقَّق بمجرَّد التحذير منها؛ وإنما يحتاج إلى بناء معرفي وأخلاقي متكامل يمنحهم القدرة على اكتشاف الخلل في مقدِّماتها، وفهم ما يترتَّب عليها من نتائج، ومراجعة ما يتلقّونه عبر وسائل الإعلام ومنصَّات التواصل الاجتماعي قبل تبنِّيه أو إعادة نشره؛ لأنَّ المواجهة الحقيقية تبدأ بتقديم المعرفة الصحيحة، وفَتْح المجال للحوار المسئول، والرجوع إلى أهل العِلم والاختصاص، وعدم الخلط بين حريَّة التفكير والفوضى الفكريَّة، أو بين الالتزام الدِّيني والتشدُّد الذي يخرج عن مقاصد الشريعة، مشيرًا إلى أنَّ القرآن الكريم وضع قاعدة أصيلة في التعامل مع الأخبار والمعلومات، بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}، وهي قاعدة تتأكَّد أهميَّتها في عصر تتسارع فيه المعلومات، وتنتشر فيه الشائعات والشبهات، وتستهدف بعض المضامين الرَّقْميَّة تشكيل وعي الشباب وتوجيه مواقفهم دون تمحيص.

واختتم الدكتور محمود الهوَّاري بتأكيد أنَّ صناعة الوعي مسئوليَّة مشتركة تتكامل فيها أدوار الأسرة والمؤسسات التعليميَّة والدعويَّة والإعلاميَّة؛ من أجل إعداد جيل يمتلك عقلًا ناقدًا، وفهمًا صحيحًا للدِّين، وقدرةً على التمييز بين الأفكار التي تبني الإنسان وتلك التي تستهدف استلاب وعيه؛ بما يجعله أكثر ثباتًا أمام تيَّارات الغلو والتفلُّت، وأكثر إسهامًا في بناء مجتمعه على أُسُس من المعرفة والقِيَم والمسئوليَّة.

وتستمرُّ فعاليَّات الأسبوع الدَّعوي في جامعة الجلالة حتى الأربعاء المقبل، بمشاركة نخبةٍ من علماء الأزهر الشريف؛ إذْ تتنوَّع الندوات والمحاضرات الفكريَّة التي تتناول مفهوم الدِّين وركائزه، ودوره في صناعة الوعي لدى الشباب، وأثر القِيَم الإسلاميَّة في بناء الحضارة، إلى جانب تناوُل التشريع الإسلامي من حيث مقاصده وسماته، بما يقدِّم معالجةً متكاملةً لموضوع الأسبوع، تربط بين فهم الدِّين وأثره في بناء الإنسان والمجتمع وتنظيم مختلِف جوانب الحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى