خلال ملتقى الجامع الأزهر للقضايا المعاصرة:الدكتور عبد الفتاح العواري: القرآن الكريم يرسخ الوعي الفكري بالتأمل والتدبر ليحصن الإنسان من الأفكار المنحرفة
عقد الجامع الأزهر، اللقاء الأسبوعي لملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة، تحت عنوان: (منهج القرآن في ترسيخ الوعي الفكري.. رؤية إسلامية)، وذلك بحضور كل من؛ أ.د/ عبد الفتاح العواري، العميد الأسبق لكلية أصول الدين بالقاهرة وعضو مجمع البحوث الإسلامية، وأ.د/ علي مهدي أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، عضو لجنة الفتوى الرئيسة بالجامع الأزهر، وأدار الملتقى، الدكتور أحمد القاضي، الإعلامي بإذاعة القرآن الكريم.
وفي كلمته، أكد فضيلة الدكتور عبد الفتاح العواري أن قضية الوعي الفكري، بمفهومها ومصطلحها، قضية إسلامية أصيلة، تقوم في جوهرها على التأمل الصادق والنظر العميق والتحليل الواعي، بعيدا عن النظرة السطحية والتقليد الأعمى، وهو المنهج الذي يرسخه الأزهر الشريف، إذ إن أول ما يجب على المكلف النظر لمعرفة الله تعالى، والإسلام لا يقبل أن يتخلى الإنسان عن عقله أو يكتفي باتباع غيره دون فهم أو تدبر، فالشريعة الإسلامية خاتمة الرسالات السماوية، وقد جاءت مصدقة لما بين يديها من الشرائع، والبشرية في أشد الحاجة إلى هدايتها ومنهجها، والقرآن الكريم ذم من رضوا بالتقليد دون إعمال العقل، فقال تعالى: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ”، بما يؤكد أن الإيمان الحق لا يتعارض مع التفكير، بل يدعو إلى النظر والتدبر للوصول إلى الحقائق عن وعي وبصيرة.
وأضاف فضيلة الدكتور عبد الفتاح العواري، أن الوعي الفكري من القضايا بالغة الأهمية في حياة المسلم، فليس في الإسلام أن يغلق الإنسان عينيه وعقله، وإنما عليه أن ينظر ويتفكر ويتدبر في الكون من حوله، ليرى عجائب القدرة الإلهية ودلائل الإعجاز وبراهين صدق الشريعة الإسلامية، فأن القرآن الكريم يرسخ هذا المنهج في آيات كثيرة تدعو إلى التفكر والتدبر، حتى يصل الإنسان بعقله إلى معرفة الحق واليقين بأن لهذا الكون ربا وخالقا، كما يوجه الإنسان إلى التأمل في نشأته وطعامه وما يحيط به من آيات، فقال تعالى: “فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ”، وقال سبحانه: “فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا”، كما قال تعالى: “وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ”، والتأمل في خلق الإنسان وما أودعه الله فيه من أجهزة ووظائف دقيقة، وفي دورة الماء وإنبات الأرض، يقود إلى إدراك عظمة الخالق وقدرته وحكمته، ويغرس في النفس الإيمان والشكر وحسن العبادة، فالتفكر ليس غاية نظرية مجردة، وإنما سبيل إلى ترسيخ اليقين واستقامة السلوك.
وشدد فضيلة الدكتور عبد الفتاح العواري على أن منهج القرآن الكريم في التفكير يهدف إلى أن يعيش الإنسان على بصيرة وطمأنينة، بعيدا عن أن تتخطفه الأهواء أو تستغله الشبهات، محذرا من أن الاكتفاء بالنظرة السطحية والتقليد دون فهم يجعل الإنسان عرضة للاضطراب الفكري والانقياد وراء الأفكار المنحرفة، في حين أن القرآن الكريم يفتح أمام الإنسان أبواب النظر في آيات الله، ويوقظ فيه الشعور بالافتقار إلى الخالق واللجوء إليه، فقال تعالى: “أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ”، لذلك علينا التمسك بهذا المنهج القرآني الذي يزيل الشبهات ويعالج الإشكالات الفكرية، ويؤسس لعلاقة واعية بين الإيمان والعقل والعمل، لأن القرآن الكريم لم ينزل لهداية شعب بعينه، وإنما جاء هداية للبشرية جمعاء، قال تعالى: “قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا”، وحاجة الإنسانية إلى إبراز منهج القرآن الكريم في بناء الوعي وترسيخ الإيمان، لأنه يعين الإنسان على فهم دينه فهما صحيحا، والتمسك بقيمه، ومواجهة الشبهات والأفكار المغلوطة بعقل مستنير وبصيرة واعية.
ومن جانبه، أكد فضيلة الدكتور علي مهدي أن القرآن الكريم كتاب هداية يهدي للتي هي أقوم، ويحقق الخير للفرد والمجتمع، ويوازن بين حاجات البدن والروح، والالتفاف حول القرآن الكريم يسهم في علاج كثير من صور الاضطراب، لما يغرسه في النفس من طمأنينة، وما يقدمه من توجيهات تصحح الوعي والمفاهيم المغلوطة، لأن القرآن الكريم يمثل منهاج حياة متكاملا يوجه الإنسان إلى السلوك القويم، كما جاء في التوجيه النبوي الشريف عندما جلس أعربي بين يديه صلى الله عليه وسلم، فقال: “يا رسول الله، إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟”، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما تقرأ قوله تعالى: “ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين”، فقال الرجل: “والله يا رسول الله، ما أجد لي ولهم شيئا خيرا من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم”، وهذه القصة تبرز أهمية تصحيح الوعي وترسيخ العدل ومحاسبة النفس، وأن هدايات القرآن الكريم والسنة النبوية منهج متكامل لبناء الإنسان وتقويم سلوكه.
وأضاف فضيلة الدكتور علي مهدي أن القرآن الكريم، يؤكد أهمية الوعي، لذلك في ميدان الصراع بين المسلمين وغيرهم، يحثهم على الاستعداد والأخذ بأسباب القوة، فقال تعالى: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ”، وذلك لأن القرآن الكريم يهتم بقضية الوعي، فلم يترك مجالا إلا وأسس فيه لقضية الوعي، ويدفع الإنسان لإعمال العقل والتدبر والتفكر، وعدم الاكتفاء بالنظرة السطحية للأمور، لأن القرآن الكريم ليس مجرد سرد للقصص أو بيان للأحكام، وإنما هو منهج متكامل لبناء الإنسان، وتنمية وعيه، وترسيخ قدرته على فهم الحقائق والتعامل معها ببصيرة وحكمة.
يأتي ذلك وفق توجيهات فضيلة الإمام الأكبر أ.د أحمد الطيب شيخ الأزهر، وباعتماد فضيلة الشيخ أيمن عبد الغني وكيل الأزهر، وبإشراف الدكتور عبد المنعم فؤاد المشرف العام على الأروقة الأزهرية، ود. هاني عودة مدير عام الجامع الأزهر.