د. عباس شومان في ختام الأسبوع الدعوي للبحوث الإسلامية الـ24 في جامعة الجلالة: ربَّانيَّة المصدر وشموليَّة الأحكام وثبات الأصول مع مرونة الاجتهاد من أبرز سمات التشريع الإسلامي

د. حسن يحيى: مقاصد التشريع الإسلامي تتجاوز الأحكام النظريَّة إلى حماية الإنسان وبناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات

اختتم مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، اليوم، فعاليَّات الأسبوع الدعوي الرابع والعشرين الذي نظَّمته اللجنة العُليا لشئون الدَّعوة بالمجمع في جامعة الجلالة تحت عنوان: (الدِّين.. ضرورته وحاجة الإنسانيَّة إليه)، برعاية فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيِّب، شيخ الأزهر، وإشراف فضيلة الشيخ أيمن عبد الغنيّ، وكيل الأزهر، وفضيلة أ.د. محمد الجندي، الأمين العام للمجمع.
وجاءت الندوة الختاميَّة بعنوان: (التشريع الإسلامي مقاصده وسماته)، وحاضر فيها فضيلة أ.د. عبَّاس شومان، وئيس المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، والدكتور حسن يحيى، الأمين العام المساعد للجنة العُليا لشئون الدعوة بمجمع البحوث الإسلاميَّة.
وفي كلمته، قال الدكتور عبَّاس شومان: إنَّ التشريع الإسلامي يضع للإنسان خطة عامة ومنهجًا متكاملًا يسير عليه في حياته، ويهديه إلى الطريق المستقيم؛ بما يقيه من الانحراف عن جادة الصواب، ويعينه على التمييز بين الحق والباطل، ويحدد له معالم الطريق الذي ينبغي أن يسلكه في علاقته بربه ونفسه والآخرين، مضيفًا أنَّ الإنسان في حاجة دائمة إلى منظومة من القواعد والضوابط التي تنظم حياته، وتساعده على اتخاذ القرارات الصحيحة، وتحُول دون وقوعه في الفوضى أو الانجراف وراء الأهواء والرغبات التي قد تضر به أو بغيره، ومن هنا تأتي أهميَّة التشريع الإسلامي بوصفه مرجعية تضبط السلوك الإنساني، وتحدد الحقوق والواجبات، وتبين ما ينبغي فعله وما يجب اجتنابه؛ بما يحقق للإنسان الاستقامة في حياته الفردية والاجتماعية، ويقيم التوازن بين مصلحته الخاصة ومصلحة المجتمع الذي يعيش فيه، بالإضافة إلى أن مقاصد التشريع لا تقف عند حدود تنظيم العلاقة بين العبد وربه؛ وإنما تمتد إلى تنظيم المعاملات والعلاقات الإنسانية، وترسخ قيم العدل والرحمة والتعاون والتكافل؛ الأمر الذي يحفظ للإنسان كرامته، ويصون حقوقه، ويهيئ له حياةً تقوم على الاستقرار والطمأنينة.
وأشار الدكتور شومان إلى أنَّ أن من أبرز سمات التشريع الإسلامي: ربانية المصدر؛ فهو تشريع مستمد من عند الله سبحانه وتعالى، الذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلح أحواله وما يلبي احتياجاته؛ ولذلك جاءت أحكام الشريعة محقِّقة مصالحَ العباد، وموجِّهة لهم نحو ما فيه الخير في الدنيا والآخرة، وقد استمد التشريع الإسلامي أحكامه من القرآن الكريم والسُّنة النبوية المطهرة، اللذين يمثلان الأصل الذي يرجع إليه المسلم في معرفة الأحكام الشرعية وفهم مقاصدها، كما أنَّ الأحكام الشرعية ليست على مرتبة واحدة من حيث ثبوتها ودلالتها؛ فمنها: ما هو قطعي الثبوت وقطعي الدلالة، وهذه الأحكام تمثل ثوابت لا تقبل الاجتهاد الذي يؤدي إلى إهدار دلالتها أو مخالفة ما استقر عليه النص، ومنها ما ثبت بدليل قطعي لكنه يحتمل أكثر من وجه في الدلالة، ومنها: مسائل ظنية الثبوت أو الدلالة، وهي التي تتسع للاجتهاد والنظر وفق الضوابط العلمية والأصول الشرعية المعتبرة؛ بما يسمح بالتعامل مع الوقائع المختلفة والنوازل المستجدة في ضوء مقاصد الشريعة وقواعدها العامَّة.

وشدَّد الأمين العام لهيئة كبار العلماء على أنَّ التمييز بين القطعي والظني ضرورة لفهم التشريع فهمًا صحيحًا؛ فلا يجوز التعامل مع جميع المسائل بوصفها من الثوابت التي لا تقبل النقاش، كما لا يصح إخضاع الأحكام القطعية للأهواء أو الآراء الشخصية؛ لأنَّ الاجتهاد له مجاله وضوابطه التي تحفظ للنصوص مكانتها، وتمنع الخلط بين ما هو ثابت وما يقبل النظر والتأويل.

وبيَّن فضيلته أنَّ الشمولية من السمات المهمة التي تميز التشريع الإسلامي؛ إذ إنه لا يقتصر على جانب واحد من جوانب حياة الإنسان، ولا ينظر إليه بوصفه جسدًا يحتاج إلى تلبية متطلباته المادية فقط، أو روحًا تحتاج إلى العبادة وحدها؛ وإنما يراعي الإنسان في تكوينه المتكامل، ويوازن بين احتياجاته المادية والروحية، ويقدم له من الأحكام والتوجيهات ما ينظم مختلف شئون حياته، ويحقق التوازن بين مطالب الدنيا والاستعداد للآخرة، وبين حقوق الفرد وحقوق المجتمع، وبين ما يحتاج إليه الإنسان في حياته الخاصة وما تفرضه عليه علاقاته بالآخرين من مسئوليات.
ولفت إلى أنَّ هذا الشمول يظهر في الأحكام التي تنظم العبادات، وفي القواعد التي تضبط المعاملات، وفي التوجيهات التي تحث على الصدق والأمانة والوفاء بالعهد وحفظ الحقوق، كما يظهر في تحريم الظلم والاعتداء وأكل أموال الناس بالباطل، والدعوة إلى العدل والإحسان والتعاون على البر والتقوى، مبيِّنًا أنَّ كل هذه الأحكام تسهم في بناء شخصية إنسانية متوازنة، تجمع بين سلامة الاعتقاد وصلاح السلوك وحسن التعامل، وتدرك أنَّ التديُّن لا ينفصل عن المسئولية والعمل والإسهام في عمارة الأرض.
وتابع رئيس منظمة خريجي الأزهر أنَّ ثبات الأصول والأحكام القطعية في التشريع الإسلامي لا يعني الجمود أو العجز عن مواكبة متغيرات الحياة؛ وإنما يعني الحفاظ على المبادئ التي لا تستقيم حياة الإنسان دونها، مع إتاحة المجال للاجتهاد المنضبط في المسائل التي تقبل النظر، وتختلف صورها باختلاف الظروف والأحوال؛ وهو ما يتيح للشريعة استيعاب احتياجات الناس المتجددة، وتحقيق مصالحهم، ومواجهة ما يستجد في حياتهم من قضايا، مع الالتزام بالأصول الشرعية وعدم تجاوز حدودها.
واختتم الدكتور عبَّاس شومان كلمته بتأكيد أنَّ التشريع الإسلامي لا يستهدف تنظيم حياة الفرد بمعزل عن المجتمع؛ بل يؤسس لعلاقات اجتماعية متماسكة تقوم على التكافل والإيثار والتراحم وتحمُّل المسئولية، بوصف أنَّ الإنسان جزء من مجتمع يتأثر به ويؤثر فيه، وأنَّ استقرار المجتمعات وقوتها يرتبطان بمدى التزام أفرادها بحقوق بعضهم بعضًا، وحرصهم على التعاون في مواجهة المشكلات وتخفيف معاناة المحتاجين، موضِّحًا أنَّ الشريعة الإسلاميَّة تدعو الإنسان إلى تجاوز حدود المصلحة الفردية الضيقة، والنظر إلى احتياجات الآخرين بوصفها مسئولية أخلاقية واجتماعية، كما أنَّ التكافل الاجتماعي يعزز شعور الفرد بالانتماء إلى مجتمعه، ويجعله أكثر حرصًا على استقراره وحماية مصالحه، وأنَّ قوة المجتمع لا تقاس بما يمتلكه من إمكانات مادية فحسب؛ وإنما تقاس -كذلك- بمدى تماسك أفراده، وقدرتهم على مواجهة التحديات، ووعيهم بمسئولياتهم تجاه وطنهم والآخرين.

من جانبه، بيَّن الدكتور حسن يحيى أنَّ من المقاصد الأساسية للتشريع الإسلامي: حفظ الكليَّات الخمس؛ وهي: (حِفظ الدِّين والنفْس والعقل والنسل والمال)، بوصفها الضرورات التي تقوم عليها حياة الإنسان، وتستند إليها مصالح الأفراد والمجتمعات، وتمثل ركائز أساسية لاستقرار الأمم واستمرارها وقدرتها على النهوض ومواجهة التحديات، مؤكِّدًا أنَّ هذه المقاصد ليست أحكاما نظرية مجردة؛ وإنما هي غايات شرعية تتكامل فيما بينها لحماية الإنسان وصيانة كرامته وتنظيم حياته، وتحقيق المصالح التي لا تستقيم شئون المجتمع إلا بها، فإذا اختلَّ أحد هذه المقاصد أو تعرَّض للضياع والاعتداء؛ انعكس ذلك على بقية جوانب الحياة، وأصاب بناء المجتمع بالضعف والاضطراب.

وأشار الدكتور يحيى إلى أنَّ حفظ الدِّين يصون هُويَّة الأمَّة وقيمها الأخلاقية، وأنَّ حفظ النفْس يؤكد حرمة الاعتداء على حياة الإنسان وضرورة حمايتها، فيما يسهم حفظ العقل في صيانة وعي الإنسان وقدرته على التفكير والتمييز، ويحميه من كل ما يفسد إدراكه أو يعطل دوره في المجتمع، بينما يأتي حفظ النسل ليضمن استمرار الحياة الإنسانية واستقرار الأسرة وصيانة الأنساب والحقوق المرتبطة بها، كما يحقق حفظ المال الحماية للممتلكات والحقوق المالية، وينظم طرق اكتسابها والتصرف فيها، ويمنع الاعتداء عليها أو استغلالها بغير حق.

وأكَّد الأمين العام المساعد للجنة العُليا لشئون الدَّعوة أنَّ هذه الكليَّات تمثِّل منظومة مترابطة لحماية مقومات الحياة وبناء مجتمع متماسك، وأنَّ إدراكها يعين على فهم مقاصد التشريع الإسلامي في تحقيق مصالح الناس، ودرء المفاسد عنهم، وإقامة حياة تقوم على العدل والاستقرار والتوازن؛ بما يحفظ للأمَّة قوتها وتماسكها، ويهيئ لها أسباب التقدم والنهوض.

واستمرَّت فعاليَّات الأسبوع الدَّعوي في جامعة الجلالة على مدار أربعة أيام، بمشاركة نخبةٍ من علماء الأزهر الشريف؛ إذْ تنوَّعتِ الندوات والمحاضرات الفكريَّة التي تناولت مفهوم الدِّين وركائزه، ودوره في صناعة الوعي لدى الشباب، وأثر القِيَم الإسلاميَّة في بناء الحضارة، إلى جانب تناوُل التشريع الإسلامي من حيث مقاصده وسماته، بما يقدِّم معالجةً متكاملةً لموضوع الأسبوع، تربط بين فهم الدِّين وأثره في #بناء_الإنسان والمجتمع وتنظيم مختلِف جوانب الحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى