ملتقى المرأة بالجامع الأزهر يضع خريطة طريق لتحويل التعلم إلى عادة راسخة صائنة للكرامة الإنسانية
نظّم ملتقى المرأة بالجامع الأزهر الشريف ندوته الأسبوعية تحت عنوان “صناعة البيئة المحفزة للمتعلم”، بمشاركة د. منال مصباح، أستاذ البلاغة والنقد ورئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية بكلية الهندسة؛ ود. أميرة رسلان، أستاذ مساعد الأدب والنقد بجامعة الأزهر وعضو مركز الفتوى الإلكترونية؛ ود. سناء السيد، الباحثة بالجامع الأزهر، وسلطت الندوة الضوء على أهم ركائز البيئة التعليمية المحفزة، واضعةً خريطة طريق متكاملة لتحويل التعلُّم من تكليف ثقيل إلى عادة يومية راسخة، مع التأكيد على أن البيئة التعليمية المثالية هي منظومة أمان ونفسية متكاملة تصون الكرامة الإنسانية وليست مجرد رفاهية أثاث أو تجهيزات مادية.
-في كلمتها، أكدت د. منال مصباح أن تهيئة المناخ التعليمي الملهم تُعد حجر الزاوية لبناء عقول مبدعة وقادرة على الابتكار، مشيرة إلى أن البيئة المثالية تمنح الطالب الأمان النفسي والدافعية الذاتية لتجاوز أسلوب التلقين التقليدي.
وفصّلت د. منال أبعاد المنظومة التعليمية المحفزة في أربعة محاور أساسية:
1. البيئة النفسية: الداعية لإشاعة الطمأنينة ونزع الخوف استلهامًا من الهدي النبوي ورؤى الرائدين كابن خلدون والإمام الغزالي.
2. البيئة المادية والجمالية: التي تُجسد الوقار والسكينة وتستثير طاقات الفكر والتحصيل.
3. البيئة المعرفية: المحفزة للشغف وحرية السؤال اقتداءً بـ “اللسان السؤول”.
4. البيئة الاجتماعية: القائمة على التواضع للمتعلم وصون كرامته.
وشددت د. منال على أن التحول من “التلقين” إلى “التمكين” ليس رفاهية، بل استثمار أصيل لصناعة المستقبل، يتحول فيه الخطأ تحت ظلال الأمان النفسي من سببٍ للعقاب إلى جسرٍ حقيقي للنمو والارتقاء المعرفي.
من جانبها، تناولت د. أميرة رسلان، كيفية الجمع بين التأصيل الشرعي والممارسة التربوية الحديثة لبناء مناخ تعليمي مشجع يُنمي الدافعية الذاتية وحب التعلم المستمر لدى المتعلمين، موضحةً أن ركائز هذه البيئة تبدأ بإثارة الشغف وربط التعلم بالغاية والمعنى، مرورًا بالتدرج وتحديد الأهداف الذكية استنادًا لقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ﴾، كما شددت على ضرورة تعزيز الثقة بالنفس وتصحيح الأخطاء بالرفق دون إهانة، مستشهدة بموقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ابن عباس حين قال له: «قُلْ ولا تَحْقِرْ نفسَك».
ودعت إلى مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب عبر تنويع وسائل الإيضاح كالخرائط الذهنية والأنشطة التطبيقية، واختيار الأوقات المناسبة لتجنب الملل استرشادًا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه في تخوّل النبي ﷺ أصحابه بالموعظة، واختتمت كلمتها بالحث على التربية بالحوار والرفق كما في وصايا لقمان، وتحويل التعلم إلى سلوك يومي مستدام مستلهمة الحديث الشريف: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل».
-وفي ذات السياق، أوضحت د. سناء السيد، أن المنهج الإسلامي جعل من الرحمة واللين السورَ الواقي لبناء البيئة التعليمية الجاذبة؛ حيث بيّن القرآن الكريم أن القسوة والغلظة هما السبب المباشر لانفضاض القلوب وعزوف العقول، وجسد الهدي النبوي الشريف قاعدة «التيسير والتبشير» وتطبيق «فقه الإنسان» في استيعاب ضعف المتعلم، وتحويل الخطأ إلى لحظة تعلم تصون الكرامة الإنسانية.
وأشارت د. سناء إلى تنوع البيئات التعليمية عبر التاريخ الإسلامي، مثل “دار الأرقم”، كبيئة أمان فكري وتربوي، وأهل الصفة” كأول نموذج للتفرغ الأكاديمي والسكن العلمي المجاني، وإفراد يوم مستقل لتعليم المرأة: لضمان حريتها في السؤال والتعلم.
ولفتت إلى أن الحضارة الإسلامية قامت على دافعية داخلية تجعل طلب العلم عبادة ورسالة وجودية، تجلت في مؤسسات كبرى كـ “الأزهر الشريف” الذي كفل كرامة الطالب وحريته في اختيار شيخه، مؤكدة على الدور المحوري للمرأة المسلمة في استدامة البيئات العلمية عبر الأوقاف والمبادرات.
واختتمت الندوة باستعراض الشواهد التاريخية التي تجلت فيها ريادة المرأة المسلمة في صناعة البيئات التعليمية عبر التاريخ:
أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها): والتي جعلت من حجرتها أول مدرسة حوارية لمراجعة كبار الصحابة، والسيدة نفيسة بنت الحسن: التي حولت دارها بالقاهرة إلى جامعة مفتوحة يحضر مجلسها كبار العلماء كالإمام الشافعي، والسيدة فاطمة الفهرية: وهي من قادت وبنت جامعة القرويين بفاس كأول جامعة تمنح الإجازات الأكاديمية في العالم.
وأكدت المشاركات في ختام الندوة أن هذه النماذج المشرقة أثبتت عبر العصور أن المرأة لم تكن مجرد متلقية للعلم، بل كانت صانعةً رئيسية للبيئة التعليمية ومؤسسة لبنيتها التحتية، مما يؤكد أن صناعة البيئة المحفزة في جوهرها ترتكز على الأمان الإنساني والتمكين المعرفي قبل أي شيء آخر.