ضمن فعاليَّات الأسبوع الدعوي الـ25.. البحوث الإسلاميَّة يسلِّط الضوء على دروس معركة السويس في الرجولة والإيمان

عقد مجمع البحوث الإسلامية، اليوم الثلاثاء، ندوةً في كليَّة الإعلام بجامعة السويس تحت عنوان: (معركة السويس.. دروسٌ مِنَ الرجولة والإيمان)، ضمن فعاليَّات الأسبوع الدعوي الخامس والعشرين، الذي تنظِّمه اللجنة العليا لشئون الدعوة بالمجمع تحت عنوان: (الشباب بين حراسة العقول وحماية الثغور)، بالتزامن مع احتفالات محافظة السويس بعيدها القومي، وذلك برعاية كريمة من فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيِّب، شيخ الأزهر الشريف، وإشراف فضيلة الشيخ أيمن عبد الغنيّ، وكيل الأزهر، وفضيلة أ.د. محمد الجندي، الأمين العام للمجمع.

وحاضر في الندوة الدكتور حسن يحيى، الأمين العام المساعد للجنة العليا لشئون الدعوة بمجمع البحوث الإسلاميَّة، وأ.د. عبد الحميد شلبي، أستاذ التاريخ بجامعة الأزهر؛ إذ تناولا الدروس الإيمانيَّة والوطنيَّة المستفادة من معركة السويس، ودور الوعي بالتاريخ في ترسيخ الانتماء وحماية الهُويَّة الوطنيَّة لدى الشباب.

وفي كلمته أكَّد الدكتور حسن يحيى أنَّ استرجاع ذكرى معركة (السويس) ينبغي أن يكون منطلقًا لاستلهام الدروس والعِبَر التي تعزِّز وعي الأجيال الجديدة بتاريخ وطنها، وتربط بين الأحداث التاريخيَّة ودلالاتها الإيمانيَّة والإنسانيَّة والوطنيَّة، موضِّحًا أنَّ استحضار المواقف الفارقة في تاريخ الأمم فرصة لفهم أسباب القوَّة والصمود، وتعرُّف العوامل التي مكَّنتِ الشعوب من تجاوز المِحن ومواجهة التحديات.

وأشار الدكتور يحيى إلى أنَّ القرآن الكريم عرض نماذج متعدِّدة من مواقف النصر والابتلاء لتكون مصدر عظة وتدبُّر للمؤمنين، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾، مبيِّنًا أنَّ هذه الآيات تدعو إلى التأمُّل في سُنَن الله -تعالى- في النَّصر، واستحضار نِعَمه، والاستفادة من دروس التاريخ في بناء الحاضر والاستعداد للمستقبل.

وتابع الأمين العام المساعد للجنة العليا لشئون الدعوة أنَّ الهُويَّة تتشكَّل من مكوِّنات رئيسة؛ في مقدِّمتها: (الدِّين، والتاريخ، واللُّغة)، وهي مكوِّنات تمنح المجتمعات خصوصيَّتها، مشيرًا إلى أنَّ معركة (السويس) تمثِّل جزءًا مِنَ الهُويَّة المصريَّة؛ لِمَا تحمله من دلالات تاريخيَّة تجسِّد بسالة الشعب المصري في الدفاع عن أرضه، موضِّحًا أنَّ الانتصارات ترتبط بالإيمان والعمل والأخذ بالأسباب والثبات في مواجهة الشدائد، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، مؤكِّدًا أنَّ استيعاب هذه المعاني يعزِّز الثقة بقدرة الأمَّة على تجاوز الأزمات، ويغرس في نفوس الشباب أهميَّة الالتزام بالقِيَم الدينيَّة والوطنيَّة، والعمل من أجل حماية الأوطان.

وفي ختام كلمته، أكَّد الدكتور حسن يحيى اهتمامَ الأزهر الشريف -بقيادة فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر- بالشباب وتحصين عقولهم؛ من خلال فَتْح قنوات الحوار معهم، وتنظيم الأسابيع الدعويَّة في الجامعات المصريَّة، انطلاقًا من أنَّ وعي الشباب أمانة ومسئوليَّة، مشدِّدًا على أهميَّة تمسُّك الشباب بوطنهم، والاعتزاز بتاريخه وهُويَّته وقيمه، وإدراك مسئوليَّتهم عن الحفاظ على مقدَّراته وصون هُويَّته والمشاركة الواعية في بناء مستقبله.

من جانبه، أوضح أ.د. عبد الحميد شلبي أنَّ مدينة السويس احتلَّت مكانةً بارزةً في تاريخ المقاومة الوطنيَّة المصريَّة، بحُكم موقعها الاستراتيجي وأهميَّتها المرتبطة بقناة السويس، التي أصبحت من أهمِّ الممرَّات الملاحيَّة الرابطة بين الشرق والغرب، مشيرًا إلى أنَّ هذه المكانة جعلت المدينة حاضرةً في محطَّات مهمَّة من تاريخ مصر الحديث، وأنَّ المحافظة قد تحوَّلت -عبر تاريخها- إلى رمز للمقاومة والصمود، وشهدت مواقف جسَّدت تمسُّك المصريين بأرضهم ورفضهم للاحتلال، بَدءًا من مقاومة العدوان الثلاثي عام 1956م، مرورًا بمواقف أبناء المحافظة والشرطة في مواجهة الاحتلال الإنجليزي، وصولًا إلى دَور المدينة وأبنائها في حربَي: (الاستنزاف) و(أكتوبر 1973)؛ بما يعكس امتداد روح المقاومة الوطنيَّة وتوارث قِيَم التضحية والانتماء بين الأجيال.

وأكَّد الدكتور شلبي أنَّ الوعي بالتاريخ يمثِّل أحد أهم مقوِّمات قوَّة الأمم وقدرتها على حماية هُويَّتها؛ فالتاريخ سجل لتجارِب الشعوب ومواقفها، ومرآة تعكس ملامحها في مراحلها المختلفة، ومصدر للدروس التي تساعد الأجيال الجديدة على فهم حاضرها واستشراف مستقبلها، محذِّرًا من محاولات تزييف التاريخ أو إبعاد الشباب عن قراءته؛ لِمَا يمثِّله ذلك من تهديد لذاكرة الأمَّة وقدرة أبنائها على إدراك حقيقة الأحداث وسياقاتها، مبيِّنًا أنَّ قراءة التاريخ تساعد على فهم أسباب الانتصار والإخفاق، والاستفادة من التجارِب السابقة في التعامل مع القضايا المعاصرة؛ بما يجعل الوعي التاريخي عنصرًا أساسيًّا في بناء الشخصيَّة الوطنيَّة القادرة على التمييز بين الحقائق ومحاولات التضليل.

وأشار أستاذ التاريخ بجامعة الأزهر إلى أنَّ حرب الاستنزاف مثَّلت مرحلة مهمَّة في تاريخ المواجهة المصريَّة مع الاحتلال؛ إذ شهدت محاولات متواصلة لاستنزاف قدرات العدو وإحباط أهدافه، وكان لأبناء السويس دور بارز فيها؛ فقد تصدوا للعدو رغم محدوديَّة الإمكانات مقارنةً بما كان يمتلكه من أسلحة ومعدَّات، مستندين إلى قوة الإرادة والإيمان بعدالة قضيَّتهم، وإلى تلاحمهم مع القوَّات المسلحة والشرطة في الدفاع عن المدينة، مؤكِّدًا أنَّ المقاومة الشعبيَّة جسَّدت وعيًا وطنيًّا تحوَّل من مجرَّد شعور بالانتماء إلى موقف عملي ومسئوليَّة يتحمَّلها أبناء الوطن في أوقات الشدَّة.

وتابع أنَّ ما شهدته السويس خلال فترة الحصار -التي استمرَّت نحو مِئَة يوم وانتهت في يناير 1974- عكس قدرة المجتمع المصري على التماسك والتكافل في مواجهة الأزمات؛ إذ تعاون أبناء المدينة في توفير احتياجاتهم ومساندة بعضهم بعضًا؛ بما ساعدهم على الصمود في ظروف بالغة الصعوبة، وأنَّ الدفاع عن الوطن مسئوليَّة مشتركة تتكامل فيها أدوار المواطنين والمؤسسات الوطنيَّة، مستحضرًا دور عدد مِنَ الأبطال المدنيين والعسكريين في مقاومة العدوان، وفي مقدِّمتهم: الشيخ حافظ سلامة، الذي كان له دور بارز في دعم المقاومة الشعبيَّة، لافتًا إلى أنَّ هذه المواقف أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنيَّة المصريَّة، وتقدِّم للأجيال الجديدة نموذجًا في التضحية وتحمُّل المسئولية والتكاتف من أجل حماية الوطن وصون كرامته.

وشدَّد الدكتور عبد الحميد شلبي –في ختام كلمته- على أنَّ معركة (السويس) تقدِّم درسًا مهمًّا في أن قوة الأوطان تتجلَّى –إلى جانب الإمكانات الماديَّة- في وعي أبنائها وقدرتهم على تنظيم جهودهم وتكامل أدوارهم وتمسُّكهم بحقوقهم وأرضهم، موضِّحًا أنَّ الحفاظ على الأوطان يتطلَّب وعيًا مستمرًّا بالتاريخ، وإدراكًا للتحديات، واستعدادًا لتحمُّل المسئولية، والعمل من أجل المصلحة العامَّة؛ بما يضمن انتقال قيم التضحية والوفاء من جيل إلى آخر.

وتستمرُّ فعاليَّات الأسبوع الدعوي الخامس والعشرين في جامعة السويس حتى غدٍ الأربعاء، بمشاركة نخبة من علماء الأزهر الشريف، وتتناول عددًا مِنَ القضايا المرتبطة بدور الشباب في حماية الأوطان وصناعة العمران، وسُبُل صيانة الهُويَّة الدينيَّة والوطنيَّة، واستلهام دروس معركة السويس في الرجولة والإيمان، فضلًا عن دور الترابط الاجتماعي في تحقيق النصر وتعزيز تماسُك المجتمع.

زر الذهاب إلى الأعلى