الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر: الإمام مالك نموذج للاجتهاد الواعي.. وفقه الاختلاف سبيل لبناء وعي الشباب

عقد الجامع الأزهر مساء الاثنين، اللقاء الأسبوعي للملتقى الفقهي (رؤية معاصرة) تحت عنوان: “الاجتهاد الفقهي وأثره في وعي الشباب.. المذهب المالكي نموذجا”، بحضور أ.د. محمد صلاح حلمي، رئيس قسم أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، وفضيلة أ.د. محمد عبد الستار الجبالي، أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر،  وأدار الملتقى الأستاذ سعد المطعني، المذيع بإذاعة  القرآن الكريم.

في بداية الملتقى، قال فضيلة الدكتور محمد عبد الستار، إن الاجتهاد لا يقتصر على صناعة حكم شرعي فحسب، وإنما يسهم في بناء إنسان قادر على التفكير والفهم والاستنباط، موضحا ضرورة التمييز بين النص الشرعي والفقه والاجتهاد؛ فالنص هو ما ثبت في القرآن الكريم والسنة النبوية، أما الفقه فهو فهم العلماء للنصوص واستنباطهم للأحكام منها، بينما الاجتهاد هو بذل الفقيه المؤهل أقصى جهده لاستنباط الأحكام من أدلتها وفق الضوابط الشرعية، والاختلاف في الفتاوى لا يعني بالضرورة أن أحد الآراء صواب والآخر خطأ، كما لا يمثل دليلًا على اضطراب الأحكام الشرعية، وإنما قد يرجع إلى اختلاف العلماء في فهم دلالة النص، أو تقدير العلة، أو تحقيق المناط، أو مراعاة الظروف والوقائع المتغيرة.

وأضاف فضيلة الدكتور محمد عبد الستار، أن المذهب المالكي يمثل نموذجًا ثريا في إعمال الاجتهاد الفقهي، لما اتسم به من سعة في النظر ومرونة في التعامل مع الوقائع المستجدة، واستناده إلى أصول علمية راسخة تجمع بين النصوص الشرعية ومقاصدها ومراعاة أحوال الناس، موضحًا أن الإمام مالك لم يكن يتعامل مع النصوص بمعزل عن واقع المجتمع، وإنما راعى مقاصد الشريعة وما يحقق مصالح الناس ويدفع عنهم الضرر، وهو ما يعكس أهمية الاجتهاد في تنمية الوعي الفقهي لدى الشباب، وتعريفهم بأن الشريعة الإسلامية تمتلك من الأصول والضوابط ما يجعلها قادرة على مواكبة متغيرات الحياة، دون إخلال بثوابتها أو تجاوز لمقاصدها.

من جانبه، أكد فضيلة الدكتور محمد صلاح حلمي أن الشباب يمثلون أمل الأمة وركيزة نهضتها، وهو ما يبرز أهمية توجيههم إلى الفهم الصحيح للدين، وتنمية وعيهم بفقه الاختلاف وآداب الحوار، وتعريفهم بأن الاجتهاد الفقهي يقوم على العلم والتثبت وإعمال العقل في فهم النصوص وتنزيلها على الواقع، وفق أصول وضوابط علمية راسخة، ولو نظرنا إلى الإمام مالك، فقد عرف بسعة علمه ودقته في الفتوى وورعه في القول على الله بغير علم، حتى إنه سئل عن أربعين مسألة فأجاب في ست وثلاثين منها بقوله: لا أدري، في دلالة واضحة على أن العالم لا ينبغي أن يتكلم فيما لا يعلم، وأن الاعتراف بعدم العلم فضيلة علمية وأمانة شرعية، وليس نقصا في مكانة صاحبه.

وأضاف فضيلة الدكتور محمد صلاح، أن هذا المنهج يمثل رسالة مهمة للشباب في عصر تتعدد فيه مصادر المعلومات وتتسارع فيه الآراء والفتاوى عبر المنصات الرقمية، إذ لا ينبغي أن يكون كل متلق ناقلا لكل ما يسمع أو قارئا لكل ما ينشر دون تمحيص، وإنما عليه أن يتحرى مصادر المعرفة، ويميز بين الرأي العلمي والقول المرسل، ويرجع إلى أهل الاختصاص، مشيرا إلى أن الوعي الفقهي لا يتحقق بمجرد معرفة الأحكام، بل يمتد إلى إدراك أدلتها ومقاصدها، وفهم أسباب اختلاف العلماء، واحترام التعدد الفقهي المنضبط، بما يحصن الشباب من التعصب والتشدد والتسرع في إصدار الأحكام، ويؤهلهم للتعامل الواعي مع قضايا مجتمعهم ومستجدات عصرهم.

زر الذهاب إلى الأعلى