«خريجى الأزهر» تواجه الإنحراف الفكرى.. بالحكمة والموعظة الحسنة

مخاطبة الناس بلغاتهم لمعالجة التشوهات الفكرية.. بنشر صحيح الإسلام

د. سعيد عامر.. فى «بيان للناس» بـ «الهوسا»: «الولاء والبراء» ليست من أركان الإيمان

المجتمعات لا تقوم على سفك الدماء.. ديننا يرتكز على التعددية ويدعو إلى الإسلام

لا يجوز الاستدلال ببعض النصوص الواردة فى المسألة الواحدة دون الأخرى.. وإلا وقعنا فى الفخ

البعض يتشدق بآيات «الحرب» فى غير مواضعها.. ويجب العودة لأهل الذكر

الفتاوى تتغير باختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال

الربا حرام.. والمعاملات البنكية المعاصرة جائزة.. والبنك وكيل لصاحب المال فى الاستثمار

عقدت المنظمة العالمية لخريجى الأزهر بالقاهرة، برنامجًا، تم بثـه عبـر صفحة «أزهـر هوسا» عبر تطبيق «ZOOM»، بعنوان: «هذا بيان للناس»؛ للإجابة عن أسئلة المتابعين حول المسائل الدينية والاجتماعية، شارك بالبرنامج د. سعيد عامر، الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام بمجمع البحوث الإسلامية سابقًا، وقام السيد صالح قورا، أستاذ بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر، المسئول عن صفحة «أزهر هوسا»، بإدارة البرنامج والترجمة إلى لغة «الهوسا».

أشار د. سعيد عامر، إلى أن الأزهر الشريف يحمل رسالة عالمية؛ حيث إن الإسلام جاء بالرحمة والسعادة للعالم أجمع، كما قال الله تعالى لنبيه، صلى الله عليه وسلم،: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»، ويسير على منهج الرسول، صلى الله عليه وسلم، الذى يرتكز على «الوسطية» دون إفراط أو تفريط، فالله سبحانه وتعالى وصف نبيه، صلى الله عليه وسلم، بالرحمة فقال: «فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُم ۖوَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ» (آل عمران: 159)، ومن هنا كان منهج رسالة النبى، صلى الله عليه وسلم، الذى عاش به هو وأصحابه وأتباعه هو الرحمة والسماحة واللين والسلام، فالإسلام نهى عن الكراهية والبغضاء والحقد وسفك الدماء؛ فهذه الصفات لا تقيم مجتمعًا تسوده المودة والرحمة والسلام والأمان.

أضاف أن بعض المتطرفين أصدروا آراءً شاذة تعتمد على بعض النصوص الواردة فى المسألة الواحدة، وترك بعض النصوص الأخرى، إما عن قصد أو عدم استيعاب لفقه النص، وقال أهل العلم: «إذا أردت أن تصدر حكمًا أو فتوى فلا بد من جمع النصوص الواردة فى المسألة الواحدة والعمل بما تقتضيه النصوص»، لو أردنا أن نضرب على ذلك بمثال: فى مسألة الولاء والبراء، يوجد البعض الذى يجعل «الولاء والبراء» من أركان الإيمان، وهذا فهم مغلوط.

أشار إلى أن عدم جمع النصوص الواردة فى المسألة الواردة والعمل بما تقتضيه النصوص، والفهم السيئ للنصوص وعدم الرجوع إلى سبب نزول كل منها يؤدى إلى الشذوذ الفكرى.. والوقوع فى الفهم المغلوط.

وهناك بعض الآيات استدل بها المتطرفون، وتشدقوا بها فى غير مواضعها، ويجب عليهم العودة لأهل الذكر؛ حتى يتعرفوا على التفسير الصحيح، ومنها: «لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» (آل عمران: 28)، فالنهى فى هذه الآية نهى مقيد، أى حين وجود المسلم الكفء لا يجوز اختيار ولى غير مسلم، « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (المائدة: 51)، فهذه الآية نزلت فى حالة الحرب، ومضمونها أن الله تعالى ينهى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى الذين يحاربون الإسلام وأهله، فهؤلاء المحاربون لا تسروا إليهم بأسراركم، ولا تطمئنوا إلى صداقاتهم ومحبتهم ومودتهم، فهم متفقون على معاداتكم و محاربتكم.

وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ» (الممتحنة: 1)، وقد نزلت هذه الآية فى الحرب، وتحرم اتخاذ الأعداء أولياء، فمن يوالى العدو أثناء الحرب وينقل الأسرار الحربية يرتكب جريمة عظمى، فعند الرجوع لأسباب نزول هذه الآيات وكذلك الفهم الصحيح لنصوصها نجد أن الفهم الخاطئ الذى فسروه وأعلنوه مخالفًا لمنهج وهدى نبى الإسلام، صلى الله عليه وسلم، وهذا الفهم الخاطئ من خلال هذه الآيات جعلهم يقولون إن «الولاء والبراء» ركن من أركان الإيمان، وإنها الصلة التى يقوم عليها أساس المجتمع المسلم، وعدم تحقيق هذه العقيدة قد يدخل فى الكفر، وإن هذا الفهم الخاطئ الذى أخذوه من خلال هذه الآيات يعود إلى أنهم لم يعودوا إلى سبب النزول أو الفهم الصحيح، ولم نجد أحدًا من السلف الصالح أو الأئمة الأربعة ذكر أن عقيدة «الولاء والبراء» ركن من أركان الإيمان، بل إن «الولاء والبراء» يكون فى منظومة تعايش المسلم مع غيره، فعلى المسلم أن يحافظ على دينه ووطنه وعرضه وماله من غير الإخلال بمبدأ التعايش السلمى بين الناس.

أوضح أن الإسلام يؤكد أن التعدد والتنوع من سُّنن الله عز وجل فى كونه، وأن جوهر رسالة الإسلام عدم إكراه الناس على دين واحد، وأن الإيمان بالله يقتضى الإيمان برسل الله وبالكتب السماوية، كما ترتكز دعوة الإسلام على التسامح والتعايش السلمى لا التناحر أو الصدام، وتميز الإسلام برفضه فلسفة الصراع؛ لأنه يؤدى إلى أن القوى يأكل الضعيف.

أشار إلى أن جوهر الإسلام يقرر الحرية الدينية التى تحترم إنسانية الإنسان وعقله، فشريعة الإسلام فيها التعايش بين بنى البشر دون إقصاء فى إطار الحقوق والواجبات، وحفظ كرامة الإنسان ومنحه حرية المعتقد؛ فلا إكراه لأحد على الدخول فى الدين، وتكمن حقوق غير المسلمين فى بلاد الإسلام فى حفظ الكرامة الإنسانية، وحريتهم فى المعتقد، وإقامة شعائر دينهم، والاحتكام إلى شريعتهم فى إقامة العدل والمساواة، وحفظ الدماء والأموال والأعراض.

وردًا على أسئلة البعض.. أكد د. سعيد عامر أن الإسلام يأمرنا بحُسن المعاملة والمحبة فى التعامل مع الناس، وأن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم تعد من باب حُسن المعاملة والتعايش «أن تبروهم وتقسطوا إليهم»؛ ومن الواقع العملى الذى يدل دلالة واضحة على جواز هذا الأمر حرص فضيلة الإمام الأكبر أ. د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر، رئيس مجلس إدارة المنظمة العالمية لخريجى الأزهر، ومعه وفد من علماء الأزهر؛ على تقديم التهنئة للإخوة الأقباط فى الكنيسة خلال أعيادهم.

أضاف أنه من باب المعاملة والتعايش السلمى أن نجالس غير المسلمين ونأكل من أكلهم، ما دام طعامهم مما أحل الله تعالى، فقد نص على ذلك الله عز وجل، في قوله تعالى: «وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ» (المائدة: 5)، وينبغى علينا أن نبدأ «بسم الله» قبل أن نأكل أو تشرب.

أضاف أن الربا حرام باتفاق أهل العلم، ولكن المعاملات البنكية بشكلها الحالى المعاصر جائزة ولا شيء فيها؛ لأن البنك وكيل عن صاحب المال فى استثمار هذا المال.

أشار إلى أن من أسباب الانحراف والتشدد عدم أخذ العلم من أهله، فالذهاب لأخذ العلم من غير المتخصصين يؤدى إلى التضارب والتناقض والتشدد.. قال تعالى: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (النحل: 43)، ومع تغير الواقع تتغير الفتاوى؛ فالفتوى تتغير باختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، فقبل إصدار أى فتوى لا بد من فهم الواقع والواجب فى هذا الواقع، ويجب الحذر من الجرأة على الفتوى.

—————————————–

.. وفى مقطع مرئى:

الحفاظ على الهوية الإسلامية..

دون الإخلال بالتعايش مع الآخر

نشـر فرع المنظمة العالمية لخريجى الأزهر بالمنيا، مقطعًا مرئيًا، تضمن شرحًا لكتيب «قضية الولاء والبراء» من سلسلة تفنيد الأفكار المتطرفة الصادرة عن المنظمة، فى إطار الدور الذى تقوم به المنظمة وفروعها بالداخل؛ لمجابهة الفكر المتطرف، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، ونشر الفكر الوسطى المعتدل.. أوضح خلاله الشيخ مؤمن أمين على، عضو المنظمة، أن مفهوم الولاء عند المتطرفين يعنى الانتماء لجماعة الإخوان من وجهة نظرهم، والبراء هو التبرؤ من مخالفيهم، والاعتداء عليهم، فالجماعات الإرهابية المتطرفة أنزلت عقيدة الولاء والبراء من الشـرع منزلة كبيرة، وجعلوها ركنًا من أركان الإيمان، وعدم تحقيق هذه العقيدة قد يُدخِل الكفر، وبهذا الفهم السقيم أصبح التشدد عنوانهم، وخطاب الكراهية متصدرًا دعواتهم الباطلة، والإسلام بريء من كل هذه الأفكار؛ لأن مصطلحى «الولاء والبراء» فى الإسلام، يؤكدان أهمية تفعيل منظومة تعايش المسلم مع غيره، أي: أن المسلم يحافظ على هويته الإسلامية، من غير الإخلال بمبدأ التعايش السلمى بين الناس، وهذا هو الولاء والبراء أن يحافظ المسلم على عدم التباس عقيدته، بما قد يشوبها من الشبهات ونحوها، دون الدخول فى التكفير أو الاعتداء على الأنفسِ المعْصُومة.

زر الذهاب إلى الأعلى