أَعْظَمِ مِيثَاقٍ فِي العَلاَقَاتِ
• بقلم فضيلة الشيخ أحمد على تركى
• مدرس القرآن الكريم بالأزهر الشريف
كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَسْعَى لِتَحْقِيق أَعْظَمِ مِيثَاقٍ فِي العَلاَقَاتِ مَعَ رَبِّهِ وَنَفْسِه وَالْخَلْقِ ؛ وَهَذَا الْمِيِثَاقُ يَخْتَصِرُهُ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ هُوَ أَصْلُ عَظِيمٌ جَامِعٌ فِي بَابِ الْوَصَايَا وَالْإِرْشَاد .
وَقَدْ أَوْصَى فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ وَصَايَا جَمَعَتْ مِيثَاقَ العِلاَقَاتِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ .
فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رضي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :
قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا ، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ .
فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا
هَذَا مِيثَاقٌ بَيْنَك وَبَيْنَ رَبِّك أَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ بِفِعْلِ أَوَامِرِه إخْلَاصًا لَهُ سُبْحَانَهُ وَاتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَا نَهَاكَ اللَّهُ عَنْهُ امْتِثَالًا لِنَهْي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَتَنَزّهاً عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلنَِ ، وَأَنْ لَا يَرَاك َ اللَّهُ حَيْثُ نَهَاكَ ، وَأَنْ لَا يَفْقِدَكَ حَيْثُ أَمَرَكَ ، وَاسْتَحِ فِي قُرْبِهِ مِنْكَ وَقُدْرَتِه عَلَيْك .
وَهَذَا الميثاق قَدْ أَوْصَى اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ بِهِ فَقَالَ :
وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ :
وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا
هَذَا مِيثَاقُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ نَفْسِكَ ؛ وَأَنَّهُ فِي كُلِّ تَفْرِيطٍ فِي طَاعَةٍ أَوِ اِنْتِهَاكٍ لِحُرْمَةٍ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلَ جَاهِدًا لِمَحْوِهَا وَتَعْوِيضِهَا بِمَا يُرْضِي الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْقَائِلُ :
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ
وَقَالَ تَعَالَى :
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ
مِيثَاقٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ الْوَصِيَّةُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْخَلْقِ
قَالَ تَعَالَى :
وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاَةُ وَالسَّلَاَمُ :
مَا مِنْ شَيءٍ أَثْقَلُ في ميزَانِ المُؤمِنِ يَومَ القِيامة مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ
رواه الترمذي
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاَةُ وَالسَّلَاَمُ :
إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ .
رواه أبو داود
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاَةُ وَالسَّلَاَمُ :
إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا .
الترمذي
وَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ فَقَالَ :
تَقْوى اللَّهِ وَحُسْنُ الخُلُق .
رواه الترمذي
فَأَخْلَاَقُ الْمُؤْمِنِ اِسْتِقَامَةٌ فِي دِينٍ ؛ وَبَشَاشَةٌ فِي لِينٍ ؛ وَعَفْوٌ مَعَ إحْسَانٍ ؛ وَكَرَمٌ فِي الْعَطَاءِ ؛ وَقَنَاعَةٌ فِي الْفَاقَةِ ؛ وَتَفْرِيجُ كُرْبَةٍ ؛ وَكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ ؛ وَإفْشَاءُ السَّلَاَمِ ؛ وَبِرٌّ بِالْوَالِدِينَ وَإحْسَانٌ لِلْجَارٍ .
قَالَ اِبْنُ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ :
الْأَخْلَاَقُ بَسْطُ الْوَجْهِ ؛ وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ ؛ وَكَفُّ الْأَذَى .
قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ :
حَقِيقَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ بَذْلُ الْمَعْرُوفِ وَكَفُّ الْأَذَى وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض :
هُوَ مُخَالَطَةُ النَّاسِ بِالْجَمِيلِ وَالْبِشْرِ ، وَالتَّوَدُّدِ لَهُمْ ، وَالْإِشْفَاقِ عَلَيْهِمْ , وَاحْتِمَالِهمْ ، وَالْحِلْمِ عَنْهُمْ ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ فِي الْمَكَارِهِ ، وَتَرْكِ الْكِبْرِ وَالِاسْتِطَالَةِ عَلَيْهِمْ . وَمُجَانَبَةِ الْغِلَظِ وَالْغَضَبِ ، وَالْمُؤَاخَذَةِ .
اللَّهُمَّ اِجْعَلْنَا مِمَّنِ إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ ، وَإِذَا اُبْتُلِيَ صَبَرَ وَإِذَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الْمُتَّقِينَ يَا رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ أَنْ يُوَفَّقَ الْعَبْدُ لِتَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَوَاثِيقِ الثَّلَاثَةِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ حُسْنِ الْعِلَاَقَةِ مَعَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَحُسْنِ الْعِلَاَقَةِ مَعَ الْخَلْقِ ؛ وَهَذِهِ الْأُمُورُ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِمُجَاهِدَةِ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ .
قَالَ تَعَالَى وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ