ما أحوجنا إلى رجال أمثال العلامة د. طه أبوكريشة
بقلم د/ أحمد علي سليمان
كنت حينما أستمع إليه في إذاعة القرآن الكريم أُنصت لأستمتع بالفكر العالي، والأداء المتميز لنائب رئيس أكبر جامعة في العالم، ولم يكن يدور بخلدي وأنا طالب أناهز العشرين، أن يكون لي -في هذه السن- صديق عظيم القيمة، كبير المقام، له هيبة ومهابة، مسموع الكلمة في كل مكان..
لكن شاءت إرادة الله أن يكون لي ذلك، ومن نعمته تعالى عليّ أن هيأ لي في مقتبل حياتي ثلة من الأساتذة الكبار خُلُقًا وخَلْقًا ومروءة ونبلا وشهامة..
أقول: تقدمتُ -وأنا طالب في الفرقة الثالثة بقسم الدراسات الإسلامية بكلية التربية جامعة الأزهر- في إحدى المسابقات البحثية -وكانت عن ليلة القدر- وفزت بالمركز الأول على كليتي، ثم صُعِّد بحثي للمنافسة على مستوى الجامعة، وكأن قدر الله يجهز لي أمرًا جليلا، حيث كان مُحكّم الأبحاث المصعدة على مستوى الجامعة هو فضيلة الأستاذ الدكتور/ طه مصطفى أبو كريشة (رحمه الله).
انتظرت نتيجة البحث على أحر من الجمر، وإذا بي أفاجأ بأن إدارة المدينة الجامعية تبحث عني في كل مكان.. وإذا بمديرها العام يخبرني بأن السيد نائب رئيس الجامعة يسأل عنك ويطلب أن تذهب إليه في مكتبه!!.
ذهبت إلى الإدارة العامة لرعاية الطلاب فأبلغوني بفوزي بالمركز الأول على مستوى جامعة الأزهر، وأن المُحَكِّم هو سيادة النائب د. أبو كريشة، وقد كتب بالقلم الأحمر على ورقة صغيرة، وضعها على صدر البحث -ما زلت محتفظا بها- بخطه “يُنَبَّه على الطالب بمقابلتي”.
ذهبت إلى فضيلته في اليوم التالي وقدّمت لمدير مكتبه بطاقة تعريف “كارتا شخصيا بخط يدي”، فدخل به لفضيلته، وكان -رحمه الله- مشغولا، لكنه ما أن رأى الكارت الخاص بي ــ وكان مكتوبا بالخط الديواني – خرج فضيلته والابتسامة في وجهه ليأخذني من مكتب السكرتارية واستقبلني وعانقني وأمسك بيدي وأدخلني مكتبه، فقد كان (رحمه الله) تعالى من عشاق الأدب والخط العربي..
نعم، كان فرحًا بطالب صغير، يكتب بحثًا بلغة رصينة، وبخط جميل، وكأن كل صفحة في البحث عبارة عن لوحة فنية يتعانق فيها الأدب مع الخط العربي الجميل..
ظلَّ يُعرّف بي مَن حوله، ويمتدح أعمالي، قائلاً: «هذا ابننا أحمد علي سليمان، أتوقع له مستقبلا عظيمًا».
وكان الخط العربي الذي أكرمني الله تعالى به، مفتاحًا مهما من مفاتيح الوصول إلى قلب الراحل العظيم، وكم دارت بيننا الأحاديث -على مدار ٢١ عاما- حول موضوعات متنوعة، وقضايا متعددة ومن بينها لوحاتي الفنية ونوع الخطوط والأحبار والأقلام التي أكتب بها والأوراق، وفلسفة الكتابة وتطورها وغيرها، وكان على دراية كبيرة بفن الخط العربي الشريف.
توطدت العلاقة بيني وبين فضيلته وأنا الطالب الصغير، وهو ملء السمع والبصر، وظلّ يشجعني على تدريس الخط العربي لزملائي بالمدينة الجامعية، كما شجعني على إقامة معرض للخط العربي، فنفذت ما أشار به عليّ وافتتحه بنفسه.
لقد كسر الرجل حاجز المنصب وشرفني بصداقته أو بالأحرى أبوته، فنهلت من علمه وسمته وخُلُقه الكريم.
ومن ملامح شخصيته التي أحاول أن أتسم بها تواضعه الذاخر بالحياء.. إذ لم يعرف الكِبرُ طريقًا إلى قلبه، بل كان قلبه الكبير الحاني، وابتسامته الدائمة، وصوته الخفيض، واحترامه لإنسانية الإنسان كائنا مَن كان، هي المفاتيح الأساسية والسمات المركزية لشخصيته (رحمه الله وأكرم مثواه)، ولم يُفَرِّق في معاملته للناس بين الصغير والكبير..
ومن جليل ما تميز به وأحاول أن أقتفي خطاه في ذلك، أنه امتلك قدرة فائقة على بعث الأمل في النفوس، وتخصيب العقول والقلوب بالفكر بالنافع، وأيضًا تهذيب الأنفس بالتربية السلوكية التي نشأ عليها وحاول أن يُورثها لتلاميذه ومحبيه.
عاش منضبطًا كالساعة، والميزان الحساس…
والناظر في سيرته والمتأمل في مسيرته الحياتية والعلمية، يجد أنه قد تنقل من قمة إلى قمة، وُلد في الثامن من مايو عام 1937م بمركز ديروط بمحافظة أسيوط، وحصل على الثانوية الأزهرية من معهد أسيوط الديني عام 1957م وكان ترتيبه الأول على مستوى الجمهورية، ثم حصل على الإجازة العالية من كلية اللغة العربية بالقاهرة جامعة الأزهر عام 1961م بترتيب الأول، ثم خدم نحو 10 سنوات في القوات المسلحة، ثم نال درجة الماجستير في الأدب والنقد عام 1970، بتقدير ممتاز في موضوع: «ميزان الشعر عند العقاد»، ثم حصل على درجة العالمية «الدكتوراه» في الأدب والنقد 1973م بمرتبة الشرف الأولى في موضوع: «النقد العربي القديم بين المذاهب النقدية الحديثة».
والمدقق في المحطات والتواريخ التالية في تطوره العلمي يلحظ الانضباط التام في شتى مراحل حياته، ويلحظ أن تطوره وترقيته من درجة إلى درجة أعلى، كانت تتم في الحد الزمني الأدنى، بما يفسر انضباطه ونبوغه، حيث عُيِّن معيدا في كلية اللغة العربية بالقاهرة جامعة الأزهر عام 1968م، ثم مدرسا مساعدا عام 1970م، ثم مدرسا عام 1973م، ثم أستاذا مساعدا عام 1978م، ثم أستاذا في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر عام 1984م، ثم وكيلا للكلية عام 1990م، ثم عميدا لها عام 1994م، ثم نائبا لرئيس جامعة الأزهر فرع البنات عام 1996م، ثم نائبا لرئيس جامعة الأزهر لشئون التعليم والطلاب 1997م، ثم أستاذا متفرغا بكلية اللغة العربية عام 2002م، وعضوا بمجمع البحوث الإسلامية، وعضوا بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وعضوا بهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، حتى وافته المنية في الأول من أكتوبر 2018م .
رحم الله شيخنا العالم الجليل، والأديب الأريب، والناقد الكبير، د/ طه أبو كريشة صاحب الحس المرهف.. صاحب القلب البشوش والوجه البشوش، راعي المبدعين والمتميزين.. الذي شدَّ على أيديهم، وعرَّف بهم، وتنبأ لهم بمستقبل يرضيه ويرضيهم، وعزاؤنا ما تركه من علم نافع؛ وأبحاث علمية، وأحاديث إذاعية وتليفزيونية؛ وتلاميذ يترحمون عليه إلى يوم الدين.
