الاسراء والمعراج دليل على عالمية الإسلام وأهمية السلام
بقلم / فضيلة الدكتور عبد العزيز أبو خزيمة
مدير عام العلوم العربية والشرعية بأزهر مطروح
الحمد لله المنعم على عبادة والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير أنبيائه وأصفيائه وبعد :
تحلّ علينا في هذه الأيام ذكرى عظيمة، ومناسبة جليلة، إنها ذكرى الإسراء والمعراج وهى من أعظم المعجزات التي أيّد الله بها نبينا عليه الصلاة والسلام قال تعالى{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء:1]
وقد اشتملت معجزة الإسراء والمعراج على معانٍ عظيمة وعِبَرٍ جليلة من أهمها أنها دليل على منزلته صلى الله عليه وسلم، وكونه أفضل الأنبياء حيث أم بهم في بيت المقدس، وذلك إظهارا لشرفه وفضله عليهم جميعاً، وقد جاوز السماء السابعة إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى وهى منزلة ما بلغها أي ملك مقرب ولا نبي مرسل، ودليل على أنه النبي الخاتم قال تعالى { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ }[الأحزاب:40] وأن الاقتداء به واجب على الأنبياء وغيرهم، وفيه إشارة إلى وحدة الأنبياء في دعوتهم فالكل جاء بالتوحيد الخالص من عند الله تعالى ، فالأنبياء إخوة ودينهم واحد قال تعالى{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ }[الأنبياء:25].
وكما دلت إمامة النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء على وحدتهم فإنها تدل أيضا على الربط بين الأماكن المقدسة المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وما كان المسجد الحرام أول بيت وُضِع للناس في الأرض فإن المسجد الأقصى هو البيت الثاني والقبلة الأولى ومعراج النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذا ما يكفي لتذكير المسلمين بأهمية المسجد الأقصى ومكانته.
وفي إمامته صلى الله عليه وسلم ، دليل على أن أمر الدعوة انتقل إلى نبوة عالمية للناس كافة وليست نبوة كالنبوات السابقة التي أرسل فيها كل نبي لقومه خاصة، قال تعالى{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [سبأ: (28)]
هذه النبوة العالمية فيها السلام والرحمة للناس جميعا قال تعالى{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }[الأنبياء : 107] .
حيث جاءت معجزة الإسراء والمعراج بعد وقائع وأحداث عظيمة تعرض لها النبي صلى الله عليه وسلم من تكذيب واضطهاد من المشركين كانت أشد على النبي صلى الله عليه وسلم مما حدث له يوم أحد ويظهر ذلك من حديث عائشة رضى الله عنها” أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمِ الأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا” [ متفق عليه] .
هذه الرحمة بكل معانيها وهذه الكلمات الصادقة من النبي صلى الله عليه وسلم في أشد وأصعب الأوقات رسالة إلى كل مسلم وداعية ومعلم, أن تُبلغ دين الله برفق, وأن تكون دعوتك طيبة, وقولك حسنا, وفعلك محمودًا, واعرض ما عندك بالحكمة والموعظة الحسنة قال تعالى{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }[النحل:125] فإن لم تجد قبولاً فاطلب الهداية ممن يملكها وهو الله قال تعالى{ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } [القصص:56] .
ومن أهم الدروس والعبر التي وجدت في رحلة الإسراء والمعراج، التعارف، وإفشاء السلام الذي يجلب المحبة والنفع والتعاون بين البشر جميعاً وهذا ما قام به جبريل عليه السلام في كل سماء مع النبي صلى الله عليه وسلم وفي الحديث” فَانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ مَعَكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنِ ابْنٍ وَنَبِيٍّ فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ .. “
وكما قال تعالى { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }[الحجرات:13].
ومصداقا لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ” [صحيح مسلم] .
فعلى المسلم أن يأخذ منه ما ينير طريقه ويسعد حياته ويكسبه راحة البال والعيش في سلام وطمأنينة مع الآخرين.