خطر الْمعَاصِى وَالْمُحَرَّمَاتِ عَلَى الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ
بقلم فضيلة الشيخ أحمد على تركى
مدرس القرآن الكريم بالأزهر الشريف
ها هى الْعُطْلَةُ الصَّيْفِيَّةُ اظلت بِظِلَالِهَا عَلَيْنَا حَتَّى يَحْصُلَ لِلنَّاسِ فَرَاغٌ كَبِيرٌ، فَيَسْعَوْنَ فِي الْغَالِبِ إِلَى عِمَارَتِهِ بِالتَّفَاهَاتِ، أَوْ بِمَا حَرَّمَهُ رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ، وَكَأَنَّهُ جُزْءٌ مُقْتَطَعٌ عَلَى هَامِشِ الْحَيَاةِ مِنَ الْأَوْقَاتِ .
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ .
فَالْآفَاتُ كُلُّهَا نَاشِئَةٌ عَنِ الْفَهْمِ الْخَاطِئِ لِـلْعُطْلَةِ ومَعْنَى الْعُطْلَةِ عِنْدَنَا هُوَ:
تَسْوِيغَ ضَيَاعِ الْأَوْقَاتِ، وَإِمْضَاءَهَا فِي التَّفَاهَاتِ أَوْ فِي الْمَعَاصِي وَالْمُحَرَّمَاتِ .
وَقَدْ مَرَّ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَوْماً عَلَى صِبْيَانٍ أَمْضَوْاْ عَامَّةَ يَوْمِهِمْ فِي اللَّعِبِ فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذَا؟
فَقَالُواْ: فَرَغْنَا، فَقَالَ: أَوَ بِهَذَا أُمِرَ الْفَارِغُ؟
أَيْنَ أَنْتُمْ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:
فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ .
فَكُلُّ هَذِهِ الْمَآسِي الْمُتَلَاحِقَةِ الَّتِي تَعِيشُهَا مُجْتَمَعَاتُنَا، إِنَّمَا هِيَ بِسَبَبِ جُرْأَتِنَا عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ فِي أَقْوَالِنَا وَأَفْعَالِنَا، وَكِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى خَيْرُ شَاهِدٍ عَلَى ذَلِكَ، فَمَا الَّذِي كَانَ سَبَباً فِي هَلَاكِ قَوْمِ عَادٍ بِالرِّيحِ الْعَاتِيَةِ؟
وَمَا الَّذِي كَانَ سَبَباً فِي هَلَاكِ قَوْمِ ثَمُودَ بِالصَّيْحَةِ؟
وَمَا الَّذِي كَانَ سَبَباً فِي هَلَاكِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ بِالْغَرَقِ؟
وَمَا الَّذِي كَانَ سَبَباً فِي هَلَاكِ قَارُونَ بِالْخَسْفِ؟
إِنَّهُ شُؤْمُ الْمَعَاصِي وَالْمُوبِقَاتِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ قُبْرُصْ فَفُرِّقَ بَيْنَ أَهْلِهَا فَبَكَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، رَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَالِساً وَحْدَهُ يَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ مَا يُبْكِيكَ فِي يَوْمٍ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ؟
فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا جُبَيْرُ، مَا أَهْوَنَ الْخَلْقَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَضَاعُواْ أَمْرَهُ، بَيْنَا هِيَ أُمَّةٌ قَاهِرَةٌ ظَاهِرَةٌ لَهُمُ الْمِلْكُ، تَرَكُواْ أَمَرَ اللَّهِ فَصَارُواْ إِلَى مَا تَرَى .
فَالِاسْتِقَامَةُ عَلَى طَرِيقِ اللَّهِ تَعَالَى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي أَوْقَاتِ الْعَمَلِ وَالْعُطْلَةِ، وَالْمُؤْمِنُ فِي أَقَلِّ أَحْوَالِهِ مَأْمُورٌ بِاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ، ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِقَامَةَ تَتَحَقَّقُ بِهَا أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَتَعُمُّ بِهَا الْخَيرَاتُ وَالْبَرَكَاتُ، وَيَسْعَدُ بِهَا الْأَفْرَادُ وَالْمُجْتَمَعَاتُ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
وَقَالَ سُبْحَانَهُ:
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوفٌ عَلَيهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَــــدُ عَنْ زَيْـــــدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
مَنْ كَانَ هَمُّهُ الْآخِرَةَ، جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا، فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِـهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ .
فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَدَاوِمُواْ عَلَى طَاعَتِهِ فِي كُلِّ أَحْوَالِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.