الانتماء للوطن قيمة ومقتضيات ( 1 ـ 5 )
أ.د. إبراهيم صلاح الهدهد
المستشار العلمى لمنظمة خريجى الأزهر
رئيس جامعة الأزهر الأسبق
الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على أشرف الخلق وسيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد
إن حب الوطن فطرة إنسانية وعادة سوية وقيمة شرعية، ويمكن القول إن حب الأوطان من الإيمان؛ ذلك أن الإنسان من طبيعته ألا يعيش وحده.. قال تعالى: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ…» (الحجرات: 13)، ولايمكن أن يوجد شعب إلا على أرض، وهذه كلمات مضيئة من كتاب ربنا وسُنَّة حبيبنا تبين قيمة الانتماء للوطن ومقتضى هذه القيمة.
الانتماء للوطن قيمة عظمى
– ترك الأوطان يعدل قتل النفس: إن الانتماء للوطن قيمة عظيمة، وحسبنا أن الله جعل ترك الأوطان يعدل قتل النفس، وذلك فى قوله تعالى: « وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ…» (النساء: 66)، فإن الناس يستمسكون بالحياة ويحرصون عليها أشد الحرص، فكذلك الخروج من الديار والأوطان من أشق شىء على النفس وأصعبه، وخطاب القرآن هو خطاب الفطرة السوية، لذا رأينا الناس جميعًا مجبولين على حب الأوطان، وربما تجد بلادًا لا تطيق حرارة جوها، ولا العيش فيها، ولكنك تجد أهلها يعيشون فيها سعداء؛ لأنهم على أرض وطنهم نشأوا وعلى ترابه تربوا وترعرعوا، وترى أهل الاسكيمو مع البرد القارس يعيشون فى وطنهم محبين له، وما أصدق قول الشاعر:
وكم من منزل فى الأرض يألفه الفتى***
وحنينه أبدًا لأول منزل
وقال بعضهم:
وكُنا ألِفْنـاها ولم تَكُ مَـأْلَفًا ***
وقد يؤلف الشيء الذى ليس بالحسن
كما تُؤْلَفُ الأرضُ التى لم يَطِبْ ***
بها هـواءٌ ولا ماءٌ ولكنـها وطـن
وقال عمر، رضى الله عنه،: عَمَّر
اللهُ البلدانَ بحب الأوطان.
وقال ابن الزبير : ليس الناس بشىء من أقسامهم (أى: ما قسمه الله لهم من الأرزاق)
أقنع منهم بأوطانهم.
وقيل: من علامة الرشد أن تكون النفس لبلدها تواقة وإلى مسقط رأسها مشتاقة.
وقال أهل الهند: حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك.
وقالت الفرس: تربة الصبى تغرس فى القلب حرمة كما تغرس الولادة فى الكبد رقة.
ترك الوطن من أجل الدين حال الاستضعاف وعدم التمكن من إقامة الشعائر أعظم أنواع
البذل
القرآن الكريم حينما أراد إعلاء شأن المهاجرين فى غير موضع، صدّر حديثه عنهم بأنهم قد بذلوا فى سبيل دينهم أنفس شىء، وأعزه، إذ تركوا أوطانهم فى سبيل دينهم، وفيه ما فيه من مغالبة الفطرة الطبعية، وما جبلت عليه النفوس.. قال تعالى: «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِى عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ» (سورة الحـج: 40-41)
قُدِّم المهاجرون على الأنصار لعظيم ما بذلوا من ترك الوطن للاستضعاف وعدم القدرة على إقامة الشعائر:
ومن هنا قدم القرآن المهاجرين على الأنصار، حيثما ورد الحديث عنهم فى القرآن الكريم، خذ من ذلك قوله تعالى: «لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (الحشر: 8 و9).
وقوله: «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (التوبة: 100) كما ترى هم أئمة وغيرهم فى الفضل تبع، ألا ترى إلى قوله « وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ» وذلك لبذلهم أنفس شئ وأعزه.
وقوله: «لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ» (التوبة: 117) ولعلك ترى رتبتهم وقعت فى الآية بعد رتبة النبى، صلى الله عليه وسلم .